“فلسطين”
بعد هدم مقرّ الوكالة في القدس، تمضي إسرائيل قدماً في اجتثاث «الأونروا» من الأراضي المحتلة – استناداً إلى قانون أقرّه «الكنيست» -، في وقت لا يبدو فيه أن ثمّة اعتراضات أو خطوات قد تجبرها على التوقُّف عن ذلك.
………………………………….
ليس الهجوم الإسرائيلي على «الأونروا» جديداً، غير أن ما استجدّ نسبيّاً هو التعدّي على مقرّات الوكالة وهدمها من دون أيّ اعتبار لردود الفعل، سواء المحلية الفلسطينية، أو تلك العربية والدولية. وكانت قوات الاحتلال ترافقها جرافات، اقتحمت، صباح الثلاثاء، مقرّ الوكالة الأممية في شرق القدس، وشرعت في هدم المباني داخله، وذلك بإشراف وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي اعتبر الحدث «تاريخيّاً، ويوم عيد مهمّاً للسيادة الإسرائيلية في القدس». وأظهرت صور نشرتها وكالات الأنباء، علم الاحتلال الإسرائيلي فوق المبنى الرئيسيّ التابع لـ»الأونروا»، علماً أن البناء تعود ملكيته إلى عائلة فلسطينية هُجّرت عام 1948. والواقع أن الهجوم على المقرّ المذكور بدأ منذ عام 2018، عندما حضر رئيس بلدية القدس، نير بركات، خارج أسوار المجمع، وتوعّد بإغلاق مكاتب الوكالة في شرق المدينة.
وعقب الهدم، ادّعت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المجمع التابع لما سمّتها «وكالة أونروا حماس» توقّف عن العمل، وأنه لم يكن في داخله أيّ موظّفين أمميين. وزعمت، في بيان، أن المجمع لا يتمتّع بأيّ حصانة، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال وضعت يدها عليه «وفقاً للقانونَين الإسرائيلي والدولي». ومن جهته، كذّب نائب الناطق باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، المزاعم الإسرائيلية، مشيراً إلى أن «الأونروا استأجرت مجمعها في القدس الشرقية من الأردن عام 1952، وظلّت حيازته معها بشكل حصري ومن دون انقطاع حتى عام 1967، واستمر الوضع بعد ذلك منذ احتلال إسرائيل للأرض. وقد قضت محكمة العدل الدولية بأنّ الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني». وذكّر حق بأن «العدل الدولية» والجمعية العامة للأمم المتحدة أكّدتا ضرورة إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في شرق القدس، مضيفاً أن «المجمع هو مرفق تابع للأمم المتحدة، وبالتالي فهو مصون بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، والتي تلزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باحترامها من دون استثناء».
مع هذا، لا يبدو أن قانوناً أو أحداً يستطيع حماية مقرّات الوكالة في القدس أو في غيرها من المناطق الفلسطينية؛ فالقرار في أصله، سياسي، وما إجماع القوى على اختلافها في إسرائيل (الائتلاف والمعارضة) على قانون حظر «الأونروا» في «الكنيست»، في كانون الأول 2024، سوى اتفاق سياسي على إنهاء ما يرونه واحداً من أسباب تخليد اللجوء الفلسطيني. وفي هذا الجانب، يؤكّد الرئيس السابق للمكتب التنفيذي وهيئة العاملين لدى «الأونروا»، حكم شهوان، في حديث إلى «الأخبار»، أن قرار إنهاء عمل الوكالة في الأراضي المحتلة، وتحديداً في القدس «هو قرار سياسي بامتياز، ويهدف فقط إلى شطب أيّ علاقة دولية أو أممية بقضية اللجوء الفلسطيني». ويشير شهوان إلى أن حكومة الاحتلال «كانت دائماً تخشى من ردود فعل الشارع في غزة في حال تمّ اتّخاذ إجراء ضدّ الأونروا، لكن بعد أكتوبر 2023، والحرب على غزة، وجدت إسرائيل الفرصة مناسبة لتوسيع نطاق الهجمة، وطرد الأونروا من الأراضي الفلسطينية».
“لا يبدو أن قانوناً أو أحداً يستطيع حماية مقرّات الوكالة في القدس أو في غيرها من المناطق الفلسطينية”
وفي الـ12 من الشهر الجاري، اقتحمت قوات الاحتلال مركزاً صحياً تابعاً للوكالة في شرق القدس، وأمرت بإغلاقه، في حين سيعمد الاحتلال، في الأسابيع المقبلة، إلى قطع المياه والكهرباء عن مرافق «الأونروا»، بما في ذلك المراكز الصحية والتعليمية، تطبيقاً لتشريعات «الكنيست». ويُتوقّع أيضاً أن تستولي القوات الإسرائيلية على مقرّ «الأونروا» للتعليم المهني في منطقة قلنديا في القدس.
على أن التغوّل الإسرائيلي لن يتوقّف على ذلك، بل سيطاول أيضاً وجود «الأونروا» في الأقاليم الخمسة، بطرق مختلفة، على رأسها تقليص التمويل الذي أدّى إلى إعلان مفوّض الوكالة، فيليب لازاريني، قبل أيام «تقليص ساعات العمل المخصّصة لتقديم الخدمات بشكل مؤقّت في جميع أقاليم عمل الأونروا، اعتباراً من الأول من شباط 2026، وحتى إشعار آخر». وفضلاً عن هذا الإجراء، أقدم لازاريني على فصل موظفي غزة العالقين في مصر، وخصخصة عقود الحراسة في مقرّ رئاسة «الأونروا» في الأردن.
إزاء ذلك، لا يبدو أن «الأونروا»، ومعها هيئة الأمم المتحدة، قادرتان على الوقوف في وجه القرارات الإسرائيلية المباشرة في فلسطين، أو الإجراءات التي تعمل عليها تل أبيب مع بعض الشركاء الدوليين الموافقين على إنهاء الوكالة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك محاولات لحماية المجمع في القدس، لكنها باءت بالفشل، كما أن المفوّض العام، بحسب شهوان، «ترك المقرّ قبل اتّخاذ إسرائيل أيّ إجراء، ونقل مكتبه قبل سنتين من إقرار الكنيست منع التعامل مع الأونروا، كما نقل كلّ المكاتب التابعة للرئاسة إلى خارج القدس من دون أيّ مبرّر».
وإجرائيّاً، أوضح حق موقف الأمم المتحدة، بالقول: «سنرى ما هي الخطوات الإضافية التي يمكن اتّخاذها بينما نقوم بتقييم الوضع»، وذلك في معرض إجابته على سؤال عمّا إن كانت لدى المنظمّة خطّة لاتخاذ إجراءات، أو طلب تعويض، أو رفع دعوى أمام «محكمة العدل الدولية»؛ علماً أن الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، حذّر، أخيراً، إسرائيل من أنه قد يحيلها على «العدل الدولية» إذا لم تلغ القوانين التي اتّخذتها بحق «الأونروا»، وتعيد الأصول والممتلكات التي استولت عليها.
ونظراً إلى خبرته الطويلة في المؤسسات الأممية، استوضحت «الأخبار» من شهوان حول ما يمكن القيام به، فكانت إجابته: «حتى لو كان الأمر متأخراً، يظلّ بإمكان الأونروا التوجّه إلى القضاء، وطلب قرار مستعجل لمنع أيّ تصرف آخر، وحتى طلب طرد سلطة الأراضي والبلدية من المقرّ إلى حين البتّ في القضية». وإذ أشار إلى أن الأمر قد يستغرق سنوات طويلة، لكنه أكّد أن «المقرّ سيبقى خلال ذلك تحت سيطرة الأمم المتحدة».

















Discussion about this post