توصّلت السلطات الانتقالية في سوريا و«قسد» إلى اتفاق «دمج شامل»، تبدو البصمات الأميركية فيه واضحة. ويأتي ذلك فيما يجدّد الكونغرس الأميركي التلويح بسيف العقوبات، تحت ستار «إنقاذ الأكراد» هذه المرة.
في خطوة جديدة تبدو مختلفة عن سابقاتها، أعلنت السلطات الانتقالية في سوريا التوصّل إلى ما سمّته «اتفاقاً شاملاً» لدمج «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) ضمن مؤسسات الدولة، وذلك بعد ضغوط أميركية معلنة. وتأتي هذه الخطوة في وقت أعلن فيه مشرّعون أميركيون، منحازون إلى «قسد»، تقديم مشروع قانون جديد إلى الكونغرس، يحمل اسم «قانون إنقاذ الأكراد»، يهدف إلى فرض عقوبات «على الحكومة السورية وأي أطراف دولية تقدّم لها دعماً عسكرياً أو مالياً، وذلك رداً على الهجمات المتكرّرة ضد القوات الكردية».
ويشمل الاتفاق، الذي نشرت تفاصيله قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، انسحاب القوات العسكرية من نقاط التّماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزَي مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتشكيل فرقة عسكرية تضمّ ثلاثة ألوية من قوات «قسد»، بالإضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
وبحسب «الإخبارية»، يتضمّن الاتفاق، أيضاً، دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» ضمن مؤسسات الدولة، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
ونقلت القناة عن مصدر حكومي، لم تسمّه، أن الاتفاق يهدف إلى «توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد». وأضاف المصدر أن «الدمج العسكري والأمني سيكون فردياً ضمن الألوية، بحيث تتسلّم الدولة جميع المؤسّسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها».
وجاء الإعلان عن التوصّل إلى هذا الاتفاق، أمس، بعد يوم واحد فقط من دعوة وجّهتها السفارة الأميركية في سوريا، عبر بيان رسمي، إلى جميع الأطراف السورية، للتوصّل سريعاً إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق نار دائم، واستئناف المفاوضات في أقرب وقت ممكن. وشدد البيان على ضرورة «تحقيق اندماج سلمي ومستدام لشمال شرق سوريا ضمن دولة موحّدة وذات سيادة»، مجدداً دعم واشنطن «لعملية انتقال سياسي شامل في سوريا».
اقترحت «قسد» اسم القيادية فوزة اليوسف لتولّي منصب محافظ الحسكة، قبل أن ترفضه السلطات الانتقالية
وفي أول ردّة فعل على الاتفاق، رحّبت مسؤولة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد، بالإعلان، معتبرةً أنه يشكّل «خطوة مفصلية على طريق تحقيق الاستقرار في سوريا». وأعربت عن شكرها للدول والجهات الوسيطة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة وفرنسا، على الجهود التي بُذلت للتوصّل إلى الاتفاق، آملةً في أن تضطلع هذه الأطراف بدور «ضامن لإنجاح عملية الدمج». وإذ أوضحت أن دخول القوى الأمنية يهدف إلى ضمان تنفيذ «عملية دمج مسؤولة ومتدرجة»، تقوم على «الشراكة وتحفظ كرامة جميع المكوّنات»، وتسهم في «تمهيد الطريق أمام تنمية عادلة ومتوازنة في مختلف المناطق»، فهي رأت أن «الاتفاق يؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، ويضمن العودة الآمنة والكريمة لأهالي عفرين وسري كانيه (رأس العين) إلى مناطقهم».
وبينما يشير الإعلان إلى توافق واضح بين الطرفين – السلطات الانتقالية، التي تُعدّ الطرف الأقوى بفعل الدعم الأميركي، و«قسد» التي فقدت معظم أوراقها – على الخطوط العريضة، تكشف تسريبات كردية عن وجود خلافات عميقة حول بعض تفاصيل الاتفاق، تتعلّق خصوصاً بالشخصيات التي اقترحتها «قسد» لتسلّم مناصب قيادية، من بينها منصب محافظ الحسكة. إذ اقترحت «قسد» اسم القيادية فوزة اليوسف لتولّي هذا المنصب، قبل أن ترفضه السلطات الانتقالية، التي تحاول، بالتوازي، الدفع في اتجاه تعيين قائد «قسد»، مظلوم عبدي، في منصب معاون وزير الدفاع، في وقت يصرّ فيه عبدي على تقديم أسماء مرشّحين آخرين والابتعاد عن الموقع المشار إليه.
وإلى جانب هذه الإشكاليات، ثمة مطبّات أخرى يمكن اعتبارها بمثابة «ألغام تفخّخ طريق الحل السلمي»، وفق تعبير مصدر كردي تحدث إلى «الأخبار»، أشار أيضاً إلى قضية الأكراد المهجّرين من عفرين ومناطق أخرى، ومخاوفهم من «العودة» في ظلّ وجود فصائل من «الجيش الوطني» المموَّل والمدار من تركيا في تلك المناطق، والذي يمثّل تحدّياً كبيراً أمام السلطات الانتقالية، ومن خلفها الولايات المتحدة.
وعلى أيّ حال، تسعى الأخيرة إلى تلافي وقوع «صدام عسكري كبير»، خصوصاً بعد بروز أصوات أميركية عديدة مؤيدة لـ«قسد»، أبرزها السيناتوران ليندسي غراهام وريتشارد بلومنثال، اللذان أعلنا، في بيان مشترك، تقديم مشروع قانون جديد إلى الكونغرس تحت اسم «قانون إنقاذ الأكراد». ويتضمّن المشروع آلية «العودة التلقائية» إلى العقوبات وفرضها على الحكومة السورية، وأي أطراف دولية تقدّم لها دعماً عسكرياً أو مالياً، وذلك رداً على الهجمات المتكرّرة ضد القوات الكردية. كما يمنح الرئيس الأميركي سلطة تعليق العقوبات، فقط في حال أثبتت حكومة دمشق توقّفها الكامل عن مهاجمة الأكراد وشركائهم، على أن تُعاد فوراً عند أي خرق. وبحسب البيان، لا يهدف مشروع القانون إلى معاقبة المسؤولين السوريين فحسب، إنما يشمل أيضاً المؤسسات المالية والأفراد الأجانب المنخرطين في معاملات مالية أو عسكرية مع دمشق، ما يضيّق الخناق الاقتصادي على الأخيرة. وأعرب غراهام عن ثقته بوجود دعم قوي من الحزبين «الجمهوري» و«الديموقراطي» للمشروع، معتبراً أن ذلك يعكس رغبة الكونغرس في الحفاظ على التزامات الولايات المتحدة تجاه شركائها الميدانيين، بعيداً من التجاذبات السياسية. وأشار إلى أن «القوات الكردية أدت دوراً محورياً في حراسة السجون التي تضم معتقلي تنظيم داعش»، محذّراً من أن إضعاف هذه القوات سيؤدي إلى فرار الإرهابيين وتهديد الأمن العالمي مجدداً، داعياً المجتمع الدولي والكونغرس إلى التحرّك السريع لتبنّي القانون، ومؤكّداً أن «الوقت حان لإظهار أن الولايات المتحدة لا تنسى حلفاءها الذين ضحّوا بالكثير من أجل الأمن الجماعي».

















Discussion about this post