مطلع هذا الشهر المقبل، تبدأ دورة عمل جديدة في المدارس والمراكز والعيادات الصحية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان «الأونروا»
مطلع هذا الشهر المقبل، تبدأ دورة عمل جديدة في المدارس والمراكز والعيادات الصحية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان «الأونروا»، مع قرار إدارتها العامة بخفض ساعات دوام العاملين بنسبة 20%، من 37,5 ساعة إلى 30 ساعة أسبوعياً، ومن 42 ساعة إلى 33,5 ساعة في وظائف محدّدة، على أن يواكب ذلك خفض فوري ومباشر في الرواتب بالنسبة نفسها.
ورغم أنّ سياسة تقليص إنتاجية العاملين بدأت منذ سنوات، بالتزامن مع ترويج الوكالة لأزمتها المالية، إلا أنّ الجديد في القرارات الأخيرة أنّها صدرت من دون أي إنذارات مُسبقة، وجرى تبليغ الموظفين بها بشكل مفاجئ، ما أثار موجة غضب واسعة، لم تقتصر على العاملين المعنيين مباشرة، بل شملت أيضاً الفصائل الفلسطينية، التي باتت ترى في هذه الإجراءات المتلاحقة مؤشرات واضحة إلى نوايا تتجاوز ذريعة نقص التمويل التي لم تعد مُقنِعة.
بل باتت قرارات إدارة «الأونروا» ترسّخ قناعة بأن الأزمة سياسية أكثر مما هي مالية، وتهدف إلى «تفكيك دور الوكالة وتقويضه بوصفه تطبيقاً للقرار 194»، كما يقول عارف أبو خليل، مسؤول ملف «الأونروا» في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، خصوصاً أن الفلسطينيين بدأوا يلمسون الأثر المباشر لهذه السياسات على حياتهم اليومية.
أول المتضرّرين هو القطاع الصحي الذي يتّجه بسرعة نحو الانهيار. فالقرار سيؤدّي إلى ضغط متزايد على المراكز الصحية والعيادات، سواء من حيث أعداد المرضى الذين لن يكون بالإمكان معاينتهم جميعاً، أو من حيث الضغط على الطواقم الطبية التي «لن تكون قادرة على إعطاء القدر الكافي من الاهتمام»، بحسب مدير جمعية الشفاء للخدمات الطبية الدكتور مجدي كريّم.
وإلى جانب هذه التأثيرات المباشرة، يبرز جانب غير واضح يتعلّق بآلية تطبيق القرار، إذ لم يُبلّغ العاملون رسمياً حتى الآن بكيفية التنفيذ، ما فتح باب التكهّنات. فثمّة من يرجّح تقليص ساعات العمل اليومية، وآخرون يتحدّثون عن اقتطاع يوم كامل من الخدمة، وهو خيار سبق أن اعتمدته الوكالة ضمن سياسة الدمج خلال الحرب الأخيرة على لبنان. وفي الحالتين، يُتوقّع أن يعيد القرار إنتاج سياسات إقفال قسري إضافية أو دمج جديد للمراكز والعيادات.
((قرارات إدارة «الأونروا» ترسّخ قناعة بأن الأزمة سياسية أكثر مما هي مالية))
وفي السياق نفسه، تشير المصادر إلى أنّ سياسة التخفيض لن تقتصر على ساعات العمل، بل قد تمتد إلى استهداف الأطباء أنفسهم، عبر تقليص أعدادهم بذريعة الحفاظ على استمرارية بعض الخدمات. وهذا المسار بدأ فعلياً مع وقف التعاقد مع عدد من الأطباء، ما أدّى إلى ندرة حادّة في اختصاصات أساسية، بحيث باتت بعض التخصّصات، كأمراض القلب، مُتاحة ليوم واحد أسبوعياً، فيما يُجبر الطبيب نفسه على توزيع دوامه بين أكثر من مركز. وبلغ التقشّف حدّ اختفاء اختصاصات دقيقة بالكامل من المراكز والعيادات.
أمّا على صعيد الكادر الطبي والعاملين الصحيين، فقد أصبح قرار «منع التوظيف» ملموساً، كما هي الحال في المدارس، إذ لا يُستبدل الخارجون من الخدمة بموظفين جدد. وهذا لا يعني شغور المركز، بل إلغاءه تلقائياً، مع تحميل بقية الموظفين أكثر من وظيفة لسدّ النقص. أمّا المستجدّ اليوم، فهو إدخال المياومين كعنصر أساسي في دورة العمل، بما يتيح للوكالة التخلّص من أي التزام طويل الأمد تجاه موظفيها.
كذلك، يُتوقّع أن تشهد السقوف المالية المخصّصة للمستشفيات المتعاقدة مع «الأونروا» أو للعلاجات مزيداً من التخفيض، ولا سيما في ما يتعلق بعلاجات الأمراض المستعصية. وفي هذا السياق، يشير منسّق العلاقات العامة في مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان، محمّد الشولي، إلى ثلاثة مستويات من خدمات الرعاية التي تقدّمها الوكالة:
المستوى الأول، خدمات مراكز الرعاية الصحية الأولية، والتي تتقلّص يوماً بعد يوم.
المستوى الثاني، يشمل العمليات المتوسطة والاستشفاء، حيث عادت الوكالة تحت الضغط إلى تغطية تصل إلى 90% في المستشفيات المتعاقدة، لكن ذلك لم يغيّر كثيراً، خصوصاً بعد تحويل التعاقدات بالدولار بسعر السوق، ما يكلّف المرضى مبالغ كبيرة لا يمكنهم سدّها.
المستوى الثالث، يتعلّق بالحالات الصعبة والمعقّدة، التي حُدّدت نسبة تغطيتها بـ60%. وقد وصلت الأمور في نهاية العام الماضي إلى إيقاف التحويلات إلى المستشفيات، والاكتفاء فقط بالحالات المنقذة للحياة أو الطارئة، قبل أن تعود الوكالة عن قرارها، لكن «ضمن قيود»؛ إذ يُطبّق نظام «لائحة الانتظار»، حيث يقدّم المريض طلب الاستشفاء، ثم يدرسه المركز للحصول على موافقة مركزية قد تستغرق بين أسبوعين وشهرين.
أمّا أدوية الأمراض المزمنة، فالوضع يصفه الشولي بأنه «ستروبيا»، خصوصاً للأدوية الغالية الثمن أو الأساسية، إذ إنّ الشراء خارج آلية الوكالة لا يُغطَّى، فيضطر المريض إلى شرائها بنفسه.
والمشكلة هنا، بحسب المعنيين، لا تكمن فقط في القرارات «المُنزلة» التي تصدرها «الأونروا» من دون اعتبار لمعاناة الفلسطينيين، بل أيضاً في تجاهل اعتبار المجتمع الفلسطيني «قنبلة موقوتة»، كما يوضح أبو خليل. ويشير إلى أنّ هذا الإهمال لا يقتصر على الوكالة وحدها، بل يشمل أيضاً لجنة الحوار وغيرها من الأطراف، ما يزيد الوضع سوءاً.

















Discussion about this post