«مستقبل وطننا سيكون باراغوا أبدياً»؛ بدت تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها قائد الثورة الكوبية الراحل فيدل كاسترو، في مئوية «احتجاج باراغوا» لعام 1978، بمثابة استشراف للمعركة الوجودية التي تخوضها كوبا اليوم. ذلك أن «باراغوا»، بما تعنيه من نضال من أجل الاستقلال والسيادة، وما تحيل إليه من رفض تاريخي قاده أنطونيو ماسيو ضدّ «السلام» الذي لا تتحقّق عبره الأهداف الأساسية لأول كفاح تحرّري ضدّ الاستعمار الإسباني – وفي مقدّمها إلغاء العبودية واستقلال كوبا -، لا تفتأ تتردّد أصداؤها اليوم في مواجهة أعتى هجمة أميركية على الجزيرة.
هكذا، عادت رمزية «احتجاج باراغوا» لتتصدّر المشهد الكوبي، في ظلّ أطول وأقسى حرب اقتصادية تشنّها الولايات المتحدة ضدّ شعب بأكمله. وهي الرمزية نفسها التي ألهمت حركات الاستقلال على امتداد التاريخ الكوبي، وشكّلت حافزاً لمناهضي الهيمنة الأميركية في النصف الأول من القرن العشرين، وأيضاً للمناضلين ضدّ دكتاتورية فولغينسيو باتيستا (1952-1958). وانتهت تلك النضالات بانتصار الثورة الكوبية في الأول من كانون الثاني 1959، وإعلان الطابع الاشتراكي للثورة في 16 نيسان 1961، وذلك بعيد فشل الغزو في خليج الخنازير، والذي نفّذته قوات مرتزقة بدعم وإدارة من «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (CIA) في الشهر نفسه.
مذّاك، سارعت واشنطن إلى إطلاق سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تقويض ذلك المسار الثوري المنحاز إلى الطبقات الشعبية، والساعي إلى التحرّر من التبعية للولايات المتحدة. وفي 7 شباط 1962، وُضعت اللبنات الأولى للحصار على كوبا، والذي صُمّم لإضعاف الاقتصاد الكوبي، وإثارة السخط الشعبي عبر الحرمان من الموارد، تمهيداً لفرض الهيمنة الأميركية على المنطقة. وترافقت تلك الإجراءات مع تفعيل أدوات «ناعمة» أخرى، من بينها العمليات السرّية وأعمال التخريب، وتمويل شبكات صناعة «الرأي العام» داخلياً وخارجياً، والعمل على تشكيل «معارضة سياسية» موجّهة.
هكذا، طوّرت واشنطن، على مدى أكثر من ستة عقود، هذا الحصار الذي استهدفت به هافانا والدول والشركات المتعاملة معها أيضاً، مخلّفةً أضراراً اقتصادية وخسائر متراكمة للجزيرة – تقدّر بـ170.6 مليار دولار بالأسعار الحالية، وأكثر من تريليوني دولار بحساب قيمة الذهب -، بالإضافة إلى آثار اجتماعية وإنسانية عميقة، إنما من دون أن تنجح في كسر إرث التمرّد الكوبي ضدّ الاستعمار.
ومع استمرار الحصار الاقتصادي الأميركي للجزيرة، والذي يتخذ اليوم طابعاً أكثر حدّة، عبر عرقلة وصول كوبا إلى الطاقة الضرورية لضمان الحدّ الأدنى من مقومات العيش – وذلك بموجب الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 29 كانون الثاني الماضي، والذي أعلن فيه فرض رسوم بنسبة 50% على أيّ دولة تزوّد هافانا بالنفط -، عاد ترامب ليلوّح بـ«فجر جديد» لكوبا «بعد 70 عاماً» من الثورة التي انتصرت في كانون الثاني 1959. ويأتي هذا الإعلان «الملطّف» لعملية تغيير نظام بالقوة ضمن «استراتيجية الأمن القومي» لإدارته في أميركا اللاتينية، والتي تستلهم «عقيدة مونرو» تحت عنوان «ملحق ترامب». كما أن حديث الرئيس الأميركي المشار إليه يذكّر بالتصريحات التي سبقت العدوان العسكري على فنزويلا، واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، في سياق السعي إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية للبلاد، وفي مقدمها النفط.
وفيما برزت إرهاصات هذه الاستراتيجية في أشكال متعدّدة من التدخل الأميركي في العمليات الانتخابية في دول من مثل الأرجنتين وتشيلي وهندوراس وكوستاريكا أخيراً، في ظلّ دعم واضح لقوى اليمين المتطرف، ومحاولات لإضعاف الحكومات «التقدمية» في المنطقة وتطويقها، وكبح تعاونها مع الصين وروسيا، فإن الحدث الفنزويلي بدا مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإجراءات نفسها الموجَّهة ضدّ كوبا، نظراً إلى اعتماد الأخيرة الكبير على نفط الجمهورية البوليفارية. إذ يُقدّر الطلب الأساسي لكوبا بنحو 100 ألف برميل يومياً، 40% منها يؤمّنه الإنتاج المحلّي، فيما نحو 30% منه كان يأتي من فنزويلا، و20% من المكسيك، ويُستكمل استيراد الباقي من دول أخرى، من بينها روسيا. وبالفعل، حرمت التطورات في كاراكاس، هافانا، من نحو 30% من إمداداتها النفطية، فيما أدى الحصار الأميركي إلى خنق إيرادات الجزيرة من بقية الدول، وهو ما يُراد عبره دفع المجتمع إلى حال من الإنهاك واليأس، وصولاً إلى إخضاع كوبا بالقوة، في ظلّ احتمالية اللجوء الأميركي إلى الخيار العسكري، على غرار ما حصل في العدوان على إيران.
إزاء ذلك، أكد الرئيس ميغيل دياز كانيل أن بلاده «لا تخشى الحرب»، معلناً استنفار «الشعب بأكمله» لمواجهة أيّ حماقة إمبريالية، مضيفاً أن كوبا «استعدت لها». وتعيد هذه الظروف، في جزء منها، إلى الأذهان، المدة الخاصة التي عايشتها كوبا في ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حين وضعت القيادة الكوبية برئاسة كاسترو، آنذاك، خطة طوارئ وطنية استعدّت عبرها لأسوأ السيناريوات، بما فيها احتمال العدوان العسكري عليها، وذلك عبر تدريب السكان على التكيّف مع احتمال الانقطاع التام للنفط، في ما يطلق عليه «خيار الصفر» لعام 1990.
“تسعى واشنطن إلى انتزاع استسلام كوبي عبر التهديد والتجويع والإظلام الشامل”
وبالعودة إلى الحصار الجاري، تبرز، في موازاته، محاولات أميركية لممارسة «الابتزاز السياسي» عبر المطالبة بتغييرات جوهرية في بنية الدولة الكوبية في مقابل تخفيف الحصار، في ما يشبه البحث عن «رودريغز أخرى» في صفوف القيادة الكوبية (على غرار إذعان نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغز للمطالب الأميركية). إذ في ما وراء التهديدات الأميركية بـ«الخيار العسكري»، كشفت «أسوشيتد برس»، قبل أيام، عن قيام وفد أميركي، في الآونة الأخيرة، بزيارة إلى كوبا، حيث التقى راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الزعيم الكوبي المتقاعد راؤول كاسترو، والذي «يُعتقد أن جده لا يزال يؤدي دوراً مؤثراً في الحكومة الكوبية رغم عدم توليه أي منصب رسمي».
وكانت هذه الطائرة أول طائرة أميركية تهبط في كوبا منذ 10 سنوات، عندما شهدت حقبة باراك أوباما انفراجاً ضئيلاً بين البلدَين لم يصل إلى حدّ رفع الحصار. وهو الانفراج الذي طُوِي مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016، واتخاذه خطوات لتشديد الحصار الاقتصادي على كوبا عبر 243 إجراءً، شملت وقف رحلات السفن السياحية والرحلات الجوية إلى مختلف أنحاء الجزيرة باستثناء هافانا، وإغلاق الخدمات القنصلية داخل كوبا ونقلها إلى دول ثالثة، وعرقلة المعاملات المصرفية، ووقف التحويلات المالية، وفرض عقوبات على شركات كوبية، وملاحقة شركات النفط والتأمين والشحن، وحتى طواقم السفن التي تنقل الوقود إلى الجزيرة.
وفيما لم يكشف المصدر الذي تحدّث إلى الوكالة، عن هوية المسؤول الأميركي الذي التقى بحفيد كاسترو، أكد مسؤول أميركي آخر أن وزير الخارجية، ماركو روبيو – وهو ابن لمهاجرين كوبيين ومعروف بأنه من الصقور المناهضين لكوبا -، لم يكن ضمن الوفد الذي زار هافانا، علماً أن الأخير كان قد التقى بكاسترو الحفيد في جزيرة سانت كيتس ونيفيس الكاريبية في شباط الماضي للغاية نفسها، وفق تسريبات أميركية. وحول فحوى هذه الجهود الدبلوماسية التي وُصفت بـ«غير العادية»، أوضح مسؤول في وزارة الخارجية أن الوفد الأميركي حثّ كوبا على إجراء تغييرات كبيرة في نظامها الاقتصادي وطريقة حكمها.
وفي السياق نفسه، يشير تقرير لموقع «ستراتفور» الأميركي إلى أن واشنطن اشترطت على هافانا عدّة أمور مقابل تجنب التصعيد العسكري، من بينها إطلاق سراح السجناء السياسيين بحلول 24 نيسان (أمس) كخطوة أولى، إلى جانب دفع «تعويضات» قد تصل إلى 10 مليارات دولار بدعوى أنها ممتلكات شركات وأفراد أميركيين صودِرت عقب ثورة 1959، وتشمل أراضي زراعية ومصانع وبنوكاً، بحسب زعم الموقع. ويُضاف إلى تلك الاشتراطات، طلب ما يسمّى «توسيع الحريات الاقتصادية» داخل البلاد، بما يمهّد الطريق أمام الشركات الأميركية، خصوصاً في قطاعات من مثل السياحة والاستثمار.
هكذا، تسعى واشنطن إلى انتزاع استسلام كوبي عبر التهديد والتجويع والإظلام الشامل، ومن ثمّ تحقيق حلم ترامب بتحويل الجزيرة وغيرها من البلدان التي اتبعت حيالها السياسات نفسها، إلى «جنة للمستثمرين»، تؤمّن له ضمان تدفق الطاقة والأموال إلى الولايات المتحدة، على غرار ما أمنّته دول الخليج للأخيرة على مدى عقود. وفي وقت يستهدف فيه ترامب كذلك تصفية رمزية التمرد الكوبي وإثبات استحالة وجود أي تشكيل اجتماعي خارج عباءة النظام الرأسمالي العالمي، يجادل مراقبون بأن الرئيس الأميركي قد يذهب سريعاً إلى «تعويض» الخسارة العسكرية التي مُني بها في إيران – رغم عدم انتهاء المعركة -، عبر اللجوء إلى شنّ حرب على كوبا، وتحديداً قبيل الانتخابات النصفية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل، ولا سيما للاستفادة من أصوات الناخبين من أصل كوبي. ومما يجدر التذكير به هنا أن فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أدت فيه القوى السياسية الكوبية – الأميركية، المنتمية إلى اليمين المتطرف في ميامي وفلوريدا، دوراً مؤثراً.
في المقابل، فإن كوبا، إلى جانب ما يُعرف بإصرارها التاريخي، لا تزال تمتلك أدوات للمواجهة، رغم الظروف الاستثنائية الراهنة. وعلى أيّ حال، سيعتمد مسار الأحداث، في المدى القريب، على عدة عوامل: أولها، قدرة الداخل الكوبي على الصمود؛ وثانيها، طبيعة التوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها، بما فيها نتائج الانتخابات المقبلة؛ وثالثها، مواقف القوى الدولية، ولا سيما الصين وروسيا، وكذلك حكومات المنطقة.

















Discussion about this post