تحمّلت دول الخليج، في الحرب الأخيرة على إيران، جزءاً ليس بالقليل من الأضرار. وإذا كانت التقديرات الوحيدة المُتاحة إلى الآن تتحدّث عن خسائر اقتصادية إجمالية للمنطقة تتجاوز 200 مليار دولار، فإن دول الخليج تستحوذ على ما بين 52 و84% منها.
ويبرز ثالثاً قطاع الخدمات المالية، الذي يضمّ التأمين وأسواق المال والاستثمارات، ويمثّل أيضاً عصباً رئيساً لاقتصادات دول الخليج، إذ يواجه هذا القطاع تحدّيات متزايدة في ظلّ التطورات الأخيرة، أبرزها ارتفاع عدد المطالبات بالتعويضات لدى شركات التأمين، فضلاً عن اضطرار هذه الشركات إلى رفع أقساط التأمين ضدّ أخطار الحروب. وفي السياق، تذهب توقّعات المحلّلين والشركات الكبرى إلى أن المرحلة القادمة قد تشهد خروجاً أو تجميداً لبعض الاستثمارات الأجنبية في دول الخليج، وتأجيلَ مشاريع كبرى بالنظر إلى العجز الحاصل في معظم موازنات تلك الدول، إلى جانب التقلّبات في البورصات الخليجية.
ويضاف إلى ما تقدّم، ما تشكّله الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى الخليج من نسبة ليست بالقليلة مقارنة بدول عربية أخرى. وفي هذا الإطار، تُظهِر بيانات صادرة عن «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار» أهمية تدفّقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة؛ إذ استحوذت تسع مدن خليجية، متوزّعة بين الإمارات والسعودية وقطر، على مواقع ضمن قائمة أبرز 20 مدينة عربية استقطبت استثمارات أجنبية في عام 2024. وبلغت حصّة هذه المدن نحو 16.5% من إجمالي تكاليف المشاريع الاستثمارية الأجنبية التي استقبلتها الدول العربية، والبالغة نحو 119 مليار دولار، في حين تصدّرت دبي الحواضر الخليجية باستقطابها نحو 7.7 مليارات دولار، وتلتها الرياض بـ2.5 مليار دولار، ثمّ الدوحة بأكثر من مليارَي دولار.
حسابات أمنية هشّة
تتجلّى فداحة الخسائر الاقتصادية بشكل أوضح عندما يلتمس الناس آثارها مباشرة، وهو ما شهدته دول الخليج خلال الفترة الماضية، مع تراجع حركة السفر وخلوّ المطارات لفترة طويلة من المسافرين، وانخفاض أعداد السيّاح والمتسوّقين في الأسواق غير الغذائية، وغير ذلك. ورغم الجهود الحكومية لاحتواء وقع صدمة الحرب ومحاولات طمأنة السكان عبر التجوّل بينهم، ظلّت المخاوف قائمة بشكل أو بآخر. ولعلّ ما خرج به تقرير «البرنامج الإنمائي» للأمم المتحدة الأخير، والذي توقّع فقدان أكثر من 3 ملايين فرصة عمل جراء الحرب على إيران، مثّل أحد أوجه تلك المخاوف، فيما من المُتوقّع أن تشهد المرحلة المقبلة خروج آلاف المقيمين والوافدين من وظائفهم وتوقّف أعمالهم، الأمر الذي من شأنه زيادة الضغوط على الموازنات العامّة، والتسبّب بتراجع تحويلات العاملين إلى بلدانهم، على غرار ما حدث عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وفيما تمكّنت السلطات في الدول المعنيّة من معالجة هواجس السكّان المرتبطة بتوافر السلع الغذائية – رغم موجة الإقبال الشديد عليها في الأيام الأولى للحرب -، لا تزال المخاوف قائمة، لدى الحكومات والمواطنين على حدّ سواء، بشأن احتمال استهداف محطّات تحلية المياه على شواطئ الخليج. وبحسب البيانات الدولية، فإن المنطقة تضمّ أكبر عشر محطات تحلية في العالم، إلى جانب عشرات المحطّات الأخرى التي يعتمد عليها ما بين 6 و90% من سكان الخليج لتأمين مياه الشرب. ومن شأن أيّ استهداف لهذه المنشآت، في حال حدوثه، أن يؤدّي إلى خلق مشكلة مجتمعية لا سابق لها، خصوصاً أن المخزونات الاحتياطية من المياه غير قادرة على سدّ احتياجات جميع السكان، وأنه لا توجد بدائل داخلية من المياه الجوفية أو السطحية.
وفي السياق نفسه، تشير البيانات الرسمية إلى أن قيمة الواردات الزراعية إلى دول الخليج وصلت في عام 2023 إلى نحو 42 مليار دولار، يمرّ جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. وبالتالي، فإن استمرار الحرب وإغلاق المضيق من شأنهما رفع كلفة تلك الواردات وأسعارها في الأسواق الخليجية. وخلافاً لما يشير إليه البعض من أن الحرب أثبتت هشاشة اقتصادات دول الخليج، فإن الأصحّ هو القول إن هذه البلدان بنت اقتصادات ناجحة ومتقدّمة، إلا أنها استندت في ذلك إلى «أوهام» أمنية؛ إذ اعتقدت أن تحالفها مع الولايات المتحدة سيكون ضمانة لحماية هذا الازدهار الاقتصادي، ليتبيّن لها خلالَ الحرب أن الأولوية هي لحماية إسرائيل، وإسرائيل فقط.
















Discussion about this post