لم تعد العلاقات الصينية–الأميركية مجرّد شراكة أو صراع، بل باتت مبنية على شبكة معقّدة من الفرص والتحدّيات، تتطلّب من الطرفين حكمة وصبراً للحفاظ على التوازن العالمي.
تتجه الأنظار إلى بكين التي ستستضيف قمة تاريخية تجمع الرئيسين الصيني والأميركي في مساع مشتركة من كلا الجانبين لإدارة الصراع ومنع المواجهة بين العملاقين الدوليين. وهي القمة التي كان من المقرّر عقدها نهاية شهر آذار/مارس الماضي، لكنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حالت دون ذلك، خاصة وأنّ مسار الحرب لم يجرِ كما كان ترامب يعتقد.
العلاقات بين البلدين تشكّل محور الاهتمام الدولي، إذ تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية الكبرى مع التحدّيات السياسية العميقة.
خلافات على الكثير من الملفات السياسية الدولية، صراع على المعادن النفيسة وتنافس تكنولوجي، حروب تجارية وسباق تسلّح استعداداً لمنازلة كبرى يدرك الجميع خطورتها.
الصين لم تعد مجرّد “منافس”، ولا “تحدّ” فقط، بل باتت “تهديداً” وفقاً للتصنيفات التي تضعها الولايات المتحدة لأعدائها.
“احتواء الصين” شعار طرحته الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عقدين من الزمن، ولم تنجح أيّ منها في تطبيقه، والدليل التقدّم الكبير الذي تحرزه الصين في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتفوّق الكبير في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي بات كلمة السرّ في المنافسة بين العملاقين، باعتباره سلاح العصر، فمن يمتلكه سوف يسيطر على العالم، نظراً لحجم العائد الاقتصادي المتوقّع من امتلاك هذه التقنية، ودوره في توجيه السلاح المستخدم في القرن الحادي والعشرين.
القمّة الأخيرة بين الرئيسين، والتي عقدت في كوريا الجنوبية، أكدت أنّ الحوار يبقى السبيل الأساسي لإدارة الخلافات، رغم غياب حلول نهائية للصراعات القائمة.
الصين استبقت زيارة ترامب بإصدار قانون “منع الحظر”، الذي دعا الشركات الصينية إلى تجاهل العقوبات الأميركية التي لا تتوافق مع القوانين الدولية. وأنّ الحكومة الصينية ستعوّض تلك الشركات عما يقع عليها من أضرار في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها. مع التشديد على معاقبة أية شركة توقف تعاملها مع إيران خوفاً من تلك العقوبات.
السفارة الصينية في لندن احتجت على فرض بريطانيا عقوبات على شركتين صينيتين زوّدتا روسيا بالمكوّنات اللازمة لصناعة الطائرات المسيّرة، معتبرة ذلك تدخّلاً في القضايا التجارية للصين، وهو أمر لم تعد تقبله بكين.
لم يعد السكوت على العقوبات الأميركية أمراً مقبولاً، وبكين باتت قادرة على الدفاع عن مصالحها بما تمتلكه من قوة ناعمة وأوراق ضغط اقتصادية.
الولايات المتحدة بالنسبة لبكين “شريك تجاري وخصم لدود”، إدارة الصراع معه تتطلّب سياسة تدار بمهارة وحكمة صانع القرار السياسي الصيني، لا بعقلية راعي البقر الأميركي. والصراع الاستراتيجي بين البلدين لا يلغي ضرورة الحوار المستمر بينهما.
“القوة ترتّب عليك مزيداً من المسؤولية”، حكمة مأخوذة من الفكر السياسي الصيني، وتشير إلى ضرورة “إدارة القوة” بمزيد من العقلانية في العلاقات الدولية.
لم تعد العلاقات الصينية–الأميركية مجرّد شراكة أو صراع، بل باتت مبنية على شبكة معقّدة من الفرص والتحدّيات، تتطلّب من الطرفين حكمة وصبراً للحفاظ على التوازن العالمي.

















Discussion about this post