توحي الدعوات الأخيرة التي أطلقتها الأحزاب «الحريدية» إلى حلّ «الكنيست» بأن الأزمة مع نتنياهو لم تعُد ربّما قابلة للاحتواء، وأن تصاعدها سيؤدي على الأغلب إلى تعقيد مهمّة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات.
أطلقت مجموعة من الأحزاب «الحريدية» الإسرائيلية، أخيراً، دعوات إلى حلّ «الكنيست»، في تطوّرٍ من شأنه إعادة رسم خريطة التحالفات داخل الكيان، وإدخال المشهد السياسي الداخلي في منعطف مصيري. وجاءت هذه الدعوات عقب إبلاغ رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قادة تلك الأحزاب، بشكل واضح، عدم نيّته إقرار قانون الإعفاء من التجنيد الإلزامي في الجيش – وذلك رغم دعمه العلني والصريح له في مراحل سابقة -، وهو ما استدعى ردّ فعل تصعيدياً من جانب هؤلاء، ينبئ بأن الأزمة لم تعُد، على الأرجح، قابلة للاحتواء. وفي السياق، أعلن زعيم حزب «ديغل هاتوراه» الحريدي، الحاخام دوف لاندو، «فقدان الثقة» تماماً بنتنياهو، مؤكداً أنه لم يعُد «شريكاً معه في أيّ مشروع سياسي»، وداعياً «إلى العمل فوراً على حلّ الكنيست بوصفه الخيار الوحيد المتاح». كما اعتبر لاندو أن «كتلة اليمين لم تعُد موجودة». ولم يبقَ هذا التصعيد محصوراً داخل حزب لاندو، بل انسحب على كلّ من حزب «شاس» «الحريدي» الشرقي، وحزب «أغودات إسرائيل» «الحريدي» أيضاً، واللذين أوحت مواقفهما بإمكانية تقديم دعم كامل لتوجّه «ديغل هاتوراه»، وهو ما سيمنح زخماً أكبر للحراك الأخير، ويُكسبه، هذه المرّة، طابعاً أكثر جدية.
وإذ يبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوات مختلفة من مثل إيجاد حلول مؤقتة، أو تعمّق الأزمة، جنباً إلى جنب إمكانية استغلال المعارضة لحال الغضب في أوساط «الحريديم» لاتخاذ إجراء عملي في اتّجاه حلّ «الكنيست» وإسقاط حكومة نتنياهو، تطرح احتمالات الأحداث التي قد تشهدها الساحة الإسرائيلية الداخلية مستقبلاً، تساؤلات حول إمكانية تأثيرها في القرارات الأمنية والسياسية المرتبطة بالوضع الفلسطيني، والحرب المستمرّة – بصورة أو بأخرى – في قطاع غزة، وعمليات تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية، جنباً إلى جنب الجبهات الخارجية، وعلى رأسها حالياً لبنان وإيران. الواقع أن حلّ «الكنيست»، في حال تمّ إقراره فعلاً، لن يغيّر الكثير من المعطيات على الأرض؛ ذلك أن موعد الانتخابات العامة مقرّر أساساً في تشرين الثاني المقبل، فيما أقصى ما يمكن أن يحدث هو تقديمه أسابيع قليلة، إلى أيلول. يُضاف إلى ما تَقدّم، أن مثل هذا السيناريو لن يؤثر، إلى حدّ كبير، على قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات أمنية وسياسية، في الداخل والخارج على حدّ سواء؛ إذ إنه سيظلّ يحتفظ بصلاحياته شبه الكاملة في ما يتعلّق بالحروب التي يخوضها على أكثر من جبهة، في حين تبدو إمكانية تقييد يده ومنعه من اتّخاذ خطوات متطرّفة، محدودة للغاية، لا سيما في غياب أيّ تغييرات تُذكر في موازين القوى الحالية.
من المرجح أن يؤثر الشرخ بين «الحريديم» ونتنياهو على فرص الأخير في إعادة تشكيل الحكومة
على أن التأثير الأبرز لاستمرار الشرخ بين الأحزاب «الحريدية» ونتنياهو، سواء خلال مدة الحملة الانتخابية أو في مرحلة ما بعد الانتخابات، يرتبط بالتكليف وتشكيل الحكومة؛ إذ من شأن ذلك أن يحدّ من فرص نتنياهو في نيل التكليف وإعادة تشكيل مجلس الوزراء، ويجعل من شبه المستحيل قيام أغلبية برلمانية من دون دعم «الحريديم». وفي حال تحقُّق السيناريو المشار إليه، من المتوقّع أن يصبّ نتنياهو تركيزه على إدارة الانفصال باعتباره طلاقاً مؤقتاً ينتهي بمجرّد إجراء الانتخابات، ليعود بعدها إلى تحالفه مع «الحريديم» بناءً على وعود جديدة كما جرت العادة. بمعنى آخر، يرى نتنياهو، على الأرجح، أن التحدّي الحقيقي في الوقت الراهن، لا يتمثّل في إرضاء «الحريديم» فوراً، بل في منع تحوّل الانفصال عنهم إلى قطيعة دائمة لا رجعة عنها. لكن في حال قرّر هؤلاء عدم التحالف مع نتنياهو حتى بعد الانتخابات، فإن فرص الائتلاف المعارض، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، ستصبح أعلى من حظوظ نتنياهو في التكليف بتأليف الحكومة المقبلة، في حين ستزداد احتمالية تعرّض الأخير للملاحقة القضائية في ظلّ غياب الغطاء الرسمي، ووجود صعوبة بالغة في التفاوض على أيّ صفقة خروج أو عفو مستقبلي، فضلاً عن فقدان الرجل الرافعة المؤسّسية التي تمكّنه من هندسة الرأي العام وحشد الدعم حول ما يروّجه من روايات «المظلومية» والتآمر ضدّه.
على أن ما تَقدّم لا يعني أن نشوء أيّ تحالف بين الأحزاب «الحريدية» وبينيت ولابيد، في حال خسارة نتنياهو، سيكون أمراً سهلاً، إلّا في حال قدّم الطرفان تنازلات ضخمة غير مسبوقة، وهو سيناريو غير مرجَّح عملياً، ممّا يعيد منح نتنياهو فرصةً للاستثمار في تلك الخلافات. وتدرك القيادة «الحريدية»، جيداً، أن معضلتها الراهنة تكمن في غياب بدائل حقيقية من نتنياهو يمكن الرهان عليها، خاصة أن معارضيه لن يقدّموا لها ما يقدّمه هو، بل يملكون، في الواقع، أجندات تتعارض مع مطالبها الأساسية. وينذر ذلك بأن حلّ «الكنيست»، في حال تحقّقه، سيؤدّي إلى تقليص ولاية الحكومة الحالية أسابيع قليلة، فيما من المرجّح أن تبقى صلاحياتها وصلاحيات رئيسها، على حالها. وبغضّ النظر عمّا قد تؤول إليه الأزمة الراهنة، فالراجح أن «الحريديم» لا يبحثون عن شريك ائتلافي جديد، بل هم يسعون إلى تصعيد مناورتهم التكتيكية لانتزاع موقع تفاوضي أقوى، وإعادة صياغة التحالف مع نتنياهو نفسه، خصوصاً أن الأخير، ورغم مماطلته في تنفيذ وعوده، يبقى الجهة الوحيدة القادرة على تلبية الحدّ الأدنى من مطالبهم.

















Discussion about this post