تتجاوز انعكاسات إغلاق مضيق هرمز أسعار النفط والغاز لتطاول سلاسل الإمداد، والتأمين البحري، والصناعات التكنولوجية، بل والأمن الغذائي العالمي، في تصاعد دراماتيكي لأزمة العولمة الرأسمالية.
لندن | شهدت أسواق النفط العالمية، أمس، قفزة جديدة في الأسعار، مدفوعةً بأحدث تبادل للضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أن الأنظار تتّجه تلقائياً نحو براميل النفط وناقلات الغاز كمؤشّر على التعقيدات الاقتصادية المتفاقمة بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز، فالواقع أن اضطراب أسعار الطاقة ليس سوى قمّة جبل الجليد في أزمة العولمة الرأسمالية التي تتراكم تعقيداتها منذ عقود طويلة، وبدأت تأخذ منحًى أكثر دراماتيكية مع إطلاق العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران نهاية شباط الماضي. وكشف الحصار البحري المستمرّ لبلدان حوض الخليج، والذي دخل شهره الثالث، عن هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، وعجز النظام الرأسمالي العالمي عن امتصاص الصدمات الجيوسياسية في خطوط الملاحة الحيوية، وهو ما بدأ يحفّز نقاشات حول إعادة صياغة شاملة لمفاهيم التأمين البحري، والأمن الصناعي، والسيادة الاقتصادية للقوى الكبرى والناشئة على حدّ سواء.
وفضلاً عن قرابة 1500 سفينة وناقلة عملاقة عالقة في مياه الخليج منذ ثلاثة أشهر، تشير تقديرات الخبراء إلى تبدّل جذري في هيكل تكاليف الشحن، حيث قفزت معدّلات تأمين مخاطر الحرب للسفن العابرة للمضيق لتُراوِح بين 1 و4% من القيمة الإجمالية للسفينة، صعوداً من مستويات ما قبل الحرب التي كانت تبلغ 0.25% فقط. ويُترجَم هذا الارتفاع الملحوظ إلى ملايين الدولارات الإضافية للرحلة الواحدة، وهو ما يتحمّله المستهلك النهائي في آخر المطاف. كذلك، تبقى المخاوف قائمة حول سلامة الممرّات الملاحية من الألغام، ما يجعل شركات الملاحة تتردّد في استئناف العمل حتى في حال التوصّل إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران. ويتّفق خبراء الشحن البحري على أن السوق ستتذكّر طويلاً سرعة ارتباك الملاحة في «هرمز»، وستعاني من أسعار تأمين مرتفعة لفترات طويلة تمتدّ لسنوات بعد انتهاء العمليات العسكرية.
أوروبياً، تُظهِر البيانات الاقتصادية المتخصّصة عن أثر إغلاق مضيق هرمز، تبايناً بين التأثير المباشر على حركة التبادل التجاري مع دول حوض الخليج، والانعكاسات الأعمق على اقتصادات القارة. ففي الظاهر، تبدو الأرقام الإجمالية محدودة؛ إذ مثّلت الواردات الألمانية من الدول المعتمِدة على المضيق (قطر، الإمارات، الكويت، العراق، البحرين وإيران) نحو 0.4% فقط من إجمالي واردات برلين لعام 2024، في حين بلغت النسبة 1.8% في ما يتعلق بالواردات من خارج الاتحاد الأوروبي ككلّ. كما أن الحجم الكلي للصادرات الألمانية التي تمرّ مباشرة عبر «هرمز» يقلّ عن 1%. على أن التحليل التفصيلي على مستوى القطاعات الفردية يكشف عن نقاط ضعف صناعية حادّة؛ فالتهديدات المباشرة لصناعة ألمانيا مثلاً – التي تمثّل أهمّ اقتصاد أوروبي – تتركّز في سلع استراتيجية يصعب استبدالها بشكل فوري، وعلى رأسها الألومنيوم غير المخلوط الذي تعتمد عليه المصانع الألمانية بشكل كبير لتأمين قطاعات السيارات والطيران، بالإضافة إلى الزيوت المتوسطة ومُنتجات النفط الخام التي تشكّل عصب قطاع التكرير والصناعات الكيماوية التقليدية. وفي الصورة الأعمّ، يَظهر الأثر الحقيقي للحصار عند تقييم واردات الاتحاد الأوروبي ككتلة موحّدة، وذلك نتيجة ترابط شبكات التوزيع الداخلية، إذ يمرّ نحو 6.2% من إجمالي النفط الخام المستورَد من خارج الاتحاد عبر «هرمز»، في حين تصل النسبة إلى 8.7% من الغاز الطبيعي المُسال القادم من دول غير أعضاء في التكتّل. وإلى جانب ما تَقدّم، حذّرت المفوّضية الأوروبية من ضغوط متزايدة مرتبطة بوقود الطائرات، مردّها إلى قرار شركات طيران كبرى من مثل «لوفتهانزا» و«كي إل إم» تقليص عدد رحلاتها الجوية نتيجة لارتفاع الأسعار.
تدفع أزمة العولمة المتفاقمة نحو مراجعة الترتيبات الأمنية للممرّات المائية في الشرق الأوسط
وتتجاوز انعكاسات إغلاق مضيق هرمز حدود القارة الأوروبية لتصيب مفاصل الإنتاج العالمي والصناعات التكنولوجية المتقدّمة في عموم القارة الآسيوية والدول النامية، وهو ما سيكون له بالضرورة تأثيره السلبي على أسعار الواردات وتوفّرها عبر أوروبا من وارسو إلى دبلن. وتعيد الأجواء الحالية في قطاع الشحن البحري، إلى الأوروبيين، ذكريات الاختناقات التي صاحبت جائحة كورونا، مؤكّدة ترابط الاقتصاد العالمي واستحالة عزل الأسواق. ويمتدّ أثر تعطّل إنتاج الغاز في الخليج بسبب الهجمات والأضرار الهندسية التي لحقت بوحدات التسييل، إلى قطاعات دقيقة للغاية على رأسها أزمة عنصر الهيليوم؛ إذ توفّر قطر وحدها قرابة ثلث الإمدادات العالمية من الغاز الحيوي المذكور، المُستخرَج كمُنتَج ثانوي للغاز الطبيعي، والذي يُعدّ مادة رئيسَة تشتريها شركات أشباه الموصلات العملاقة في كوريا الجنوبية وتايوان لتبريد آلات نقش الدوائر الإلكترونية، إلى جانب استخدامه في تبريد أجهزة الرنين المغناطيسي الطبية. وأدّى غياب الشحنات القطرية من الهيليوم إلى تضاعف أسعاره في دول كثيفة السكان من مثل الهند، وذلك على نحو يهدّد أسس الرعاية الصحية، ولا سيما في المستشفيات الريفية. كما تزامن هذا الانقطاع مع أزمة تكرير تسبّبت في نقص حادّ في مادة «النفتا» الكيماوية المُستخدَمة في الصناعة، ما دفع شركات الأغذية الكبرى في شرق آسيا إلى إزالة الألوان عن أغلفة المُنتجات لتوفير الحبر – المُعتمد على النفتا -، في حين خفّضت مصانع البلاستيك في كوريا الجنوبية إنتاجها الإجمالي.
ولا تتوقّف المعضلة عند حدود الصناعات التكنولوجية، بل تضرب الأمن الغذائي العالمي؛ إذ تمثّل منطقة الخليج مصدراً رئيساً للأسمدة الكيماوية، وتسهم خمس دول منها مطلّة على المضيق (إيران، السعودية، قطر، الإمارات والبحرين) في تأمين أكثر من ثلث المخزون العالمي من سماد اليوريا النيتروجيني. ولذا، تَسبّب إغلاق «هرمز» في ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 80% منذ شباط الماضي – وفقاً لبيانات «البنك الدولي» -، وهو ما أجبر المزارعين في باكستان وبنغلاديش وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، على الزراعة في تربة مُجهدة وفقيرة، على نحو بات يهدّد المحاصيل في الأشهر القادمة، وينذر بموجات سوء تغذية واسعة النطاق.
وفي ضوء كلّ تلك التداعيات، بدأت دول الإقليم في البحث عن مسارات جغرافية جديدة لتفادي عنق الزجاجة في «هرمز»، متداولةً في نقاشاتها مشاريع بنية تحتية عملاقة تتطلّب استثمارات بمليارات الدولارات وجداول زمنية تمتدّ لسنوات. ومن بين المشاريع المذكورة، مُقترح إنشاء خطّ أنابيب عبر شبه الجزيرة العربية يمتدّ من حقول الخليج إلى محطة تصدير وتسييل جديدة على البحر الأحمر، أو مدّ شبكة الأنابيب جنوباً لتحقيق الربط المباشر مع ميناء الدقم العماني المطلّ على بحر العرب. ومع ذلك، تظلّ مثل هذه الشبكات الممتدّة عرضة للتقلّبات السياسية والهجمات الصاروخية والطائرات المُسيّرة.
في المجمل، تدفع أزمة العولمة المتفاقمة التي أطلقها العدوان على إيران، نحو مراجعة الترتيبات الأمنية للممرّات المائية في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يرى خبراء أن لا مناص من انتقال مسؤولية حماية أمن الملاحة في مياه الخليج والبحر الأحمر، من الاعتماد الحصري على المنظومة العسكرية الأميركية، إلى شراكة دولية جماعية تشمل ترتيبات تقبل بها طهران، وتشارك فيها بشكل خاص القوى الآسيوية الفاعلة، باعتبارها المستهلك الأكبر والأكثر تضرّراً من توقف تدفّقات الطاقة والسلع الحيوية عبر «هرمز». وبغير ذلك، فإن انعكاسات إغلاق المضيق مرشّحة للاستمرار والتمدّد إلى مزيد من القطاعات والمجتمعات

















Discussion about this post