ليس تبادل الضربات الذي شهدته الأيام الماضية بين الولايات المتحدة وإيران، الحدث الوحيد الذي يضع مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الجانبَين، عند أخطر منعطف منذ توقيعها. فثمة تطورات أخرى تطرح أسئلة حول تغيّر مفاجئ في الموقف الأميركي من الاتفاق.
ليس تبادل الضربات الذي شهدته الأيام الماضية بين الولايات المتحدة وإيران، الحدث الوحيد الذي يضع مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الجانبَين، عند أخطر منعطف منذ توقيعها. فثمة تطورات أخرى تطرح أسئلة حول تغيّر مفاجئ في الموقف الأميركي من الاتفاق. والواقع أن هذه ليست المرّة الأولى التي تعرف فيها التوجّهات الأميركية، إزاء إيران، تذبذباً من هذا النوع، إذ خلال الأشهر الماضية من الحرب والمفاوضات، حصلت الكثير من التراجعات من جانب الولايات المتحدة في اللحظات الأخيرة، أرجأت توقيع المذكّرة.
كلّ ما حدث خلال الأيام الماضية، بدا متعمّداً من جانب واشنطن، بدءاً بالضغط على مسقط لفتح الممرّ العماني في مضيق هرمز، بشكل مستفزّ لطهران، خاصة أن الأمر جرى في فترة الستين يوماً المُقرّرة للتوصّل إلى اتفاق نهائي. ومن ثمّ، جاء الاجتماع الوزاري الأميركي – الخليجي الذي اعتمد، أيضاً بضغط أميركي، لهجة قاسية إزاء إيران تذكّر بما قبل الحربَين الأخيرتَين عليها. ولا يمكن كذلك، فصل التطوّرات تلك، عن ما يجري على الجبهة اللبنانية؛ فالبيان الخليجي – الأميركي نفسه، كان نصفه عن الوضع في لبنان، وهو تبنّى الموقف الأميركي والإسرائيلي منه، والمناقِض لما ورد في البند الأول من مذكّرة التفاهم، الذي ينص على إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وانسحاب قوات الاحتلال من الجنوب اللبناني.
ما تَقدّم يضعنا أمام احتمالَين: الأول، أن ترامب كان يكذب منذ البداية، وهو يريد اتفاقاً مرحلياً يخفّف الضغط الداخلي عليه من خلال خفض أسعار النفط، وذلك قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس؛ والثاني، أن ثمّة محاولة انقلاب على مذكّرة التفاهم تجري داخل الإدارة الأميركية، من قِبل القوى الأكثر تأييداً لإسرائيل، وأن ترامب لا يعارض إعطاء هذه المحاولة فرصة، على أن يوقفها مجدّداً إذا ما وجد أن ضررها السياسي عليه كبير، تماماً مثلما فعل خلال محاولات سابقة لإفشال التوصّل إلى اتفاق مع إيران.
ثمة مُعطى يعزّز فرضية تعمّد الولايات المتحدة تخريب الاتفاق، هو أن الشخصية المحورية في هذه التطورات، كانت وزير الخارجية، ماركو روبيو، الذي انتقل من الاجتماع الخليجي مباشرة إلى واشنطن ليشرف على المفاوضات الأخيرة، ومن ثمّ توقيع «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل. وروبيو هو كبير الجناح المؤيّد للكيان داخل الإدارة، على عكس نائب الرئيس، جي دي فانس، الذي قاد المفاوضات مع إيران، وتناوش مع إسرائيل، بسببها.
كان حريّاً بالدول الخليجية أن تستفيد من حالة التوازن التي أنتجتها الحرب
لكن تلك المحاولات المتكرّرة لن تؤدّي إلّا إلى إعادة إنتاج العقم نفسه، بعدما فشلت الحرب الأميركية – الإسرائيلية في تحقيق الأهداف المرجوّة منها. ولذلك، تتمسّك إيران بما تمكّنت من إنجازه خلال الحرب، عامِدةً إلى الردّ على أيّ انتهاك أميركي للاتفاق، وفق ما حصل أخيراً عند استهداف السفن التي حاولت عبور الممرّ العماني. أمّا دول الخليج، فرغم أنها باعت الولايات المتحدة، من خلال موافقتها على البيان، كلاماً – لا قيمة له – أكثر ممّا أعطتها التزاماً، فإن هذا ممّا يدلّ على استمرار تلك الدول في موقف الضعف الذي أظهرته خلال الحرب، والذي وضعها على تقاطع النيران بين المتحاربين، من دون أيّ قدرة على التأثير فيها. وبالتالي إذا عاد القتال، فستجد نفسها في الموقف ذاته.
كان حريّاً بالدول الخليجية أن تستفيد من حالة التوازن التي أنتجتها الحرب، لزيادة أسهمها في عملية صنع القرار، إلا أن ذلك يتطلّب توحيد الرؤية الخليجية، وهو ما ثبتت صعوبته، إذ إن كلّ نظام يسعى إلى تعزيز قوته من خلال ارتباطات جانبية، لا إلى إقامة منظومة أمنية خليجية ضامنة إلى حدّ معين لكلّ دول «مجلس التعاون»، وتتمتّع بهامش من الاستقلالية يمكّن أطرافها من المشاركة في صنع مستقبل المنطقة. ربّما حينها تستطيع هذه الدول الحصول على ضمانات من الأخيرة، في مقابل منع الولايات المتحدة من تهديد طهران انطلاقاً من أراضيها، لكن هذا ليس هو الحال إلى الآن.
يُثبِت ما حصل حتى الساعة، أن دول الخليج ما زالت غير راشدة أمنياً، وأنها تحتاج إلى حماية أميركية، حتى لو غير كاملة، وتؤثِر البقاء في هذا الوضع على أن تُلقي نفسها في المجهول. على أن الحرب لم تُعِد تظهير العجز الخليجي فحسب، وإنما بيّنت ضرورة تغيير تلك الدول نهجها، إذا أرادت، كأنظمة، وربّما ككيانات أيضاً، البقاء السياسي. فالمعركة ضدّ إيران ليست «ربيعاً عربياً» يمكنها أن تبقيه بعيداً عن حدودها، من خلال إطفائه بالمال؛ بل إن إيران تحتلّ ضفة كاملة من ضفّتَي الخليج، وأيّ حرب على واحدة من هاتَين الضفّتَين هي بالضرورة حرب على الأخرى، وهو ما لا تحتمله بنى الحكم الخليجية.
يُسجَّل لهذه الدول أنها قاومت، مع استثناء واحد هو الإمارات، محاولات أميركية لجرّها إلى الحرب ضدّ إيران. إلّا أن ذلك ليس كافياً، بل هي تحتاج إلى المبادرة إلى أفعال تضمن أمنها ومستقبلها، لا إلى مجرّد مقاومة الانزلاق إلى ورطات تدمّرها، ولا سيما أن قدرة الولايات المتحدة على حماية أنظمتها تراجعت بشكل كبير، في ظلّ الفشل الأميركي في إزالة «التهديد» الإيراني المُفترض.

















Discussion about this post