نفّذت قوة خاصة إسرائيلية عملية في منطقة الكتيبة وسط مدينة غزة، انتهت باختطاف ضابط في جهاز الأمن الداخلي التابع لـ«حماس»، فيما أقرّت وسائل إعلام عبرية بأن المعتقل لم يكن الشخصية التي سعت القوة إلى الوصول إليها.
غزة | نفّذت قوة خاصة تابعة لجيش الاحتلال، أمس، بمشاركة عناصر من مجموعات عميلة وبإسناد جوي كثيف، عملية أمنية في منطقة الكتيبة وسط مدينة غزة، انتهت باختطاف ضابط في جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة «حماس»، فيما تضاربت الروايتان الإسرائيلية والفلسطينية بشأن الهدف الأساسي للعملية ونتيجتها. ففي حين سارع وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى إعلان اعتقال رئيس جهاز الأمن التابع للحركة، أكدت مصادر أمنية في غزة أن المعتقل ضابط في الجهاز، لكنه لم يكن الشخصية القيادية المركزية التي استهدفتها العملية، وأن انكشاف القوة المتسلّلة والاشتباك معها أفشلا هدفها الأساسي.
وبدأت العملية عند الساعة العاشرة والنصف من صباح أمس، حين سُمع إطلاق نار كثيف في محيط المستشفى الأميركي في منطقة الكتيبة، وهي من أكثر مناطق مدينة غزة اكتظاظاً، وتضمّ المئات من خيام النازحين التي تؤوي آلاف الأسر، إلى جانب ثلاث من كبريات جامعات القطاع وعدد من رياض الأطفال والمدارس الخاصة. ولم يتأخّر سلاح الجو الإسرائيلي، عقب بدء إطلاق النار، عن التدخّل بكثافة؛ إذ شنّت طائرات حربية ومسيّرات غارات على مسرح العملية، فيما ألقت طائرات «كواد كابتر» قنابل في المنطقة، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.
وبحسب ضابط أمني فلسطيني تحدّث إلى «الأخبار»، فقد تسلّلت القوة المعادية إلى المنطقة المستهدَفة «بواسطة شاحنة بيضاء وسيارة مدنية وثلاث درّاجات نارية». وإذ رجّح أن يكون «معظم أفرادها من عناصر المجموعات العميلة» التي تتحرّك بغطاء جوي وإرشاد مباشر من ضباط جهاز «الشاباك»، فهو أكد أنها حاولت اختطاف شخصية «كبيرة ووازنة» في جهاز الأمن العام التابع لـ«حماس»، قبل أن «ينكشف أمرها»، ويقع اشتباك بالأسلحة الرشاشة بينها وبين عناصر الأمن وضباطه -ومن بينهم الضابط نفسه الذي انتهت العملية باختطافه-، ما أدى إلى «إصابة أفراد منها واغتنام سلاح أحدهم». واعتبر المصدر أن «كاتس تعجّل في إعلان إنجاز المهمّة والقول إن المعتقل هو رئيس جهاز الأمن العام»، مستبقاً الإعلان الرسمي للجيش، فيما كان المعتقل، بحسب الرواية الفلسطينية، ضابطاً في الجهاز فحسب. وفي السياق نفسه، قالت منصة «الحارس» التابعة للمقاومة إن المخطّط الإسرائيلي لم يكن يستهدف اعتقال الضابط الذي جرى اقتياده من المكان، وإنما شخصية قيادية مركزية. وأضافت أن «المقاومة نجحت في كشف القوة وإيقاع خسائر في صفوفها واغتنام معدّات وأسلحة منها»، فضلاً عن «ضبط ثلاثة عملاء للاحتلال»، قالت إنهم كانوا ينفذون مهمّات إسناد وجمع معلومات.
وفي المقابل، استثمرت إسرائيل عملية الاختطاف بوصفها إنجازاً أمنياً؛ إذ نشر جيش الاحتلال، في ساعات المساء، صورة للضابط المختطَف مقيَّداً داخل السيارة التي أقلّت القوة الخاصة. وكان كاتس عدّ العملية «امتداداً للسياسة الإسرائيلية القائمة على ملاحقة الحركة واستهداف بنيتها التحتية»، وقال إن «الجيش لن ينسحب من غزة قبل نزع سلاح القطاع وتدمير الأنفاق»، وإنه سيبقي، حتى بعد ذلك، على ما وصفها بـ«خطوط دفاعية». ومن جهته، خرج رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ليعلن أن العملية نُفّذت بناءً على توجيهاته، زاعماً اعتقال «أحد أبرز قادة حماس في غزة والذي كان مسؤولاً عن إخفاء ونقل رهائننا ومحاولة استعادة قدرات الحركة». وجاء هذا فيما أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن الضابط الذي جرى اختطافه «لم يكن الهدف الأصلي للعملية»، وأن القوة كانت تسعى إلى الوصول إلى شخصية أكثر أهمية.
في المقابل، اعتبرت حركة «حماس» أن العملية تمثّل «جريمة خطيرة واستهتاراً متعمّداً بأرواح المدنيين»، مشيرة إلى أنها «نُفذت في منطقة مكتظّة بالسكان والنازحين، ورافقتها نيران كثيفة وغارات جوية لتوفير الغطاء للقوة المتسلّلة في أثناء دخولها وانسحابها». ورأت الحركة أن «ما جرى يشكل امتداداً لحرب الإبادة على الفلسطينيين في القطاع، رغم اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ برعاية أميركية ودولية». وأضافت أن تصعيد حكومة الاحتلال انتهاكاتها، يعكس «سياسة التحدّي التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو». ودعت الإدارة الأميركية والدول الوسيطة إلى «اتّخاذ موقف واضح من الانتهاكات الإسرائيلية والعمل على إلزام حكومة الاحتلال بتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق».
وبمعزل عن السجال حول نجاح العملية أو فشلها، فإن خطورتها تكمن، بحسب الباحث السياسي خالد أبو راس، في كونها نُفذت داخل المساحة التي بقيت من القطاع، والتي لا تتجاوز نحو 30% منه، في حين احتاج العدو خلالها، بعد سنوات من الحرب والاستنزاف وتقويض جانب كبير من قدرات «حماس» العسكرية والأمنية، إلى استخدام الأدوات نفسها التي اعتمد عليها في أثناء الحرب: القصف الواسع، والأحزمة النارية، والطائرات المسيّرة و«الكواد كابتر»، إلى جانب العمل الاستخباراتي والمجموعات العميلة. ويرى أبو راس أن ذلك «يكشف استمرار تعقيد البيئة العملياتية أمام الاحتلال، رغم مرور ثلاث سنوات على حرب دمّرت جزءاً كبيراً من مقدّرات المقاومة الأمنية وكادرها البشري، كما يُظهر أن البيئة في غزة لم تتحول إلى بيئة أمنية متعاونة أو متسامحة مع الجيش الإسرائيلي». وفي الوقت نفسه، قد تؤشّر العملية، وفق هذا الرأي، إلى «انتقال الجهد الأمني الإسرائيلي إلى مرحلة تركّز بصورة أكبر على الاختطاف إلى جانب الاغتيال، في محاولة للحصول على معلومات مباشرة عن أنماط تفكير القيادة الجديدة لحماس»، لا سيما بعدما أدّت عمليات اغتيال قيادات الحركة على مستويات مختلفة إلى ما يصفه أبو راس بـ«الفقر المعلوماتي» لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

















Discussion about this post