مع تصاعد المواجهة الإيرانية – الأميركية، تستعيد الشراكة بين طهران وموسكو أهميتها، في ظلّ تنامي التعاون العسكري والأمني والاقتصادي بينهما، وما يثيره ذلك من مخاوف واشنطن من تشكّل شبكة تتجاوز العقوبات وتحدّ من فاعليتها.
طهران | بالتوازي مع تصاعد حدّة التوتّر بين طهران وواشنطن، عادت العلاقات الإيرانية – الروسية إلى صدارة المشهد، لا سيما مع تزايد حساسية الولايات المتحدة، الساعية إلى تضييق الخناق على إيران، تجاه مستوى التعاون والتنسيق بين البلدَين المناهضَين للسياسات الأميركية. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مؤخراً، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن موسكو وواشنطن «غير متوافقتَين» بشأن المسألة الإيرانية، مضيفاً أن «المساعدات الروسية لإيران لن تمنع الولايات المتحدة من اتّخاذ الإجراءات اللازمة لحماية قواتها ومصالحها». وجاءت تصريحات روبيو غداة اللقاء الذي جمع الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، على هامش قمّة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة القيرغيزية بيشكك، والذي تزامن مع استئناف المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وأعقب جولة جديدة من الضغوط الاقتصادية الأميركية المشدّدة على طهران، في ما دفع مراقبين إلى تفسيره بوصفه إعلاناً صريحاً عن دعم موسكو لطهران في خضمّ هذه الضغوط. وكانت أكدت روسيا، عقب إعلان حزمة العقوبات تلك، أنها ستنسّق «مع إيران والدول المعنيّة الأخرى» لمواجهة «هذا الإجراء غير القانوني»، وستُواصل «العمل على نزع سلاح العقوبات والضغوط غير المشروعة من النظام الدولي».
وسبق أن زار مدير «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA)، جون راتكليف، موسكو في 25 آب الماضي، حيث سرت تكهّنات واسعة بأن الزيارة -رغم وصف روبيو لها بأنها «روتينية»- استهدفت توجيه تحذير إلى روسيا من مغبّة توسيع علاقاتها مع إيران، ولا سيما في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية ونقل التكنولوجيا العسكرية. وترافقت تلك الخطوة مع تواتر تقارير في الأسابيع الأخيرة تفيد بتوسّع لافت في التعاون الاستخباري والعسكري بين البلدَين؛ إذ اعتُبرت الضربات الإيرانية الدقيقة والموجّهة ضدّ القواعد الأميركية في الأردن، إحدى أبرز الدلائل على تنامي ذلك التعاون، الذي سيكون من شأنه تسريع عملية ترميم القدرات العسكرية الإيرانية وتعزيزها. وأثارت تلك التطوّرات قلقاً بالغاً لدى الولايات المتحدة، التي تستهدف استراتيجيتها أساساً تقليص القوة العسكرية الإيرانية واستنزافها، خصوصاً في ما يتعلّق بفرض السيطرة على مضيق هرمز، ومهاجمة القواعد والقوات الأميركية في المنطقة؛ علماً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وجّه، قبل نحو شهر، تحذيراً إلى روسيا والصين من مغبّة تقديم دعم تسليحي لإيران، معتبراً أن خطوة كهذه «ليست في مصلحتهما».
سرت تكهّنات واسعة بتوجيه راتكليف تحذيراً إلى موسكو من مغبّة التعاون مع طهران
والواقع أن العلاقات الإيرانية – الروسية تجاوزت، خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في أعقاب اندلاع حرب أوكرانيا، مستوى التعاون الظرفي والمحدود، لترتقي إلى إطار مؤسّسي متقدّم ومستدام. وجاء توقيع «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدَين في كانون الثاني 2025، ليمنح العلاقات الثنائية أبعاداً إضافياً، كون الوثيقة تغطّي مجالات تعاون واسعة النطاق، تمتدّ من الأمن والدفاع والتجارة والطاقة والنقل والتكنولوجيا، وصولاً إلى تعزيز التنسيق المشترك داخل المنظمات والمحافل الدولية. وفي هذا المجال، تقدّر إيران المظلّة السياسية التي توفّرها روسيا لها في «مجلس الأمن الدولي»، وحرصها على تعميق الشراكة في أطر متعدّدة الأطراف من مثل «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس»، فضلاً عن الرفض الروسي الحازم لسياسة العقوبات الأحادية. وفوق ذلك، ترى طهران في موسكو ركناً أساسياً في مسار التحوّل نحو نظام دولي متعدّد الأقطاب، يتيح للقوى غير الغربية هامشاً أوسع من الاستقلالية، والقدرة على مقاومة الهيمنة والضغوط الأميركية. وفي المقابل، تنظر روسيا إلى إيران بوصفها شريكاً محورياً في معادلات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وممرّات الترانزيت الاستراتيجية نحو الجنوب، فضلاً عن كونها حليفاً أمنياً ولاعباً فاعلاً ومؤثّراً في كبح النفوذ الأميركي، ومقارعة سياسات واشنطن في المنطقة والعالم.
واحتلّ البُعد العسكري في العلاقات بين البلدَين، طوال السنوات الأخيرة، صدارة الاهتمام؛ إذ أدّت إيران دوراً حيوياً في نقل تكنولوجيا المسيّرات الانقضاضية إلى روسيا في أثناء الحرب الأوكرانية، في حين بادرت موسكو، في المقابل، إلى تسريع وتيرة التعاون العسكري والتقني وتبادل المعلومات الاستخبارية مع الجانب الإيراني. ورغم ذلك، يظلّ ثمة سقف لهذا التعاون؛ فروسيا لم تُظهر، حتى الآن، أيّ استعداد للانخراط العسكري المباشر في أيّ مواجهة شاملة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. كما إن السياسة التقليدية الروسية تقوم دائماً على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع سائر الأطراف، والحفاظ على شبكة العلاقات والمصالح المتشابكة مع دول الخليج، وتركيا، وحتى إسرائيل. وعليه، فإن الدعم الروسي لا ينطوي على تبنٍّ مطلق لأولويات طهران الأمنية أو تطابق كامل مع حساباتها الاستراتيجية.
ويمثّل التعاون الاقتصادي، المجال الرئيسي الثاني في العلاقات بين إيران وروسيا؛ إذ ينخرط البلدان في شراكات تشمل قطاعات الطاقة، والنقل، والتبادل السلعي، والزراعة، إلى جانب تطوير شبكات مصرفية غير غربية. ويشكّل ربط منظومات المراسلات المالية بين إيران وروسيا، والاعتماد المتزايد على العملات الوطنية، ومساعي تقليص التبعية للدولار، جزءاً من خطة مشتركة تستهدف مواجهة العقوبات، وتفريغها من محتواها. كما يكتسب «ممرّ الشمال – الجنوب الدولي» أهمية استراتيجية لكلا الطرفين، نظراً إلى أن استكمال مسارات السكك الحديدية والموانئ من شأنه أن يربط روسيا، عبر الأراضي الإيرانية، بالهند وأسواق جنوب آسيا، في حين يوفّر لإيران عوائد ترانزيت وازنة، ومنافذ نحو مسارات تجارية جديدة. ومع ذلك، لا يزال حجم التبادل التجاري دون مستوى الطاقات والإمكانات السياسية، وهو ما يعود إلى جملة عقبات في طليعتها تشابه الهياكل الاقتصادية، والتنافس على بيع النفط والغاز في الأسواق الآسيوية، والتعقيدات المصرفية، وضعف البنية التحتية، فضلاً عن البطء في تنفيذ المشاريع المشتركة.
ورغم عدم ارتقاء العلاقات الاقتصادية بين روسيا وإيران إلى مستوى الشراكة الحاسمة والنوعية، فإنها تمثّل مصدر إقلاق للولايات المتحدة -إلى جانب التعاون الأمني والعسكري- التي تخشى تبلور شبكة متكاملة من التعاون المالي والتكنولوجي واللوجستي، كفيلة بامتصاص مفاعيل العقوبات والحدّ من تأثيرها. ومع ذلك، تحاول واشنطن الموازنة بين ممارسة أقصى درجات الضغط على موسكو، وإبقاء خطوط الاتصال معها قائمة، خصوصاً أنها لا ترغب في دفعها نحو تعميق انخراطها في الصراع الإيراني – الأميركي.

















Discussion about this post