تحاول إدارة ترامب إحياء مسار أوكرانيا عبر مقايضة موسكو بملفات إيران والطاقة، لكن تمسّك روسيا بشروطها واتساع الفجوة مع كييف يبدّدان رهانات واشنطن على تسوية قريبة.
خلافاً لما أشاعته التصريحات العلنية الصادرة عن المسؤولين في كييف وموسكو، عقب زيارة المبعوثَين الأميركيَّيْن إلى العاصمتَين المتحاربتَين نهاية الأسبوع الماضي، من أجواء ترحيب بإنعاش المسار التفاوضي لتسوية الصراع بينهما، عكست قراءات المراقبين والمحلّلين مناخاً تشاؤمياً حيال مخرجات الزيارة، سرعان ما عزّزته عودة التصعيد المتبادل خلال الساعات القليلة الفائتة – حيث أعلنت روسيا استئناف القصف الجوي العنيف لكييف ومحيطها، فيما تعرّضت سفينة شحن روسية لقصف قبالة ليبيا، يُعتقد وقوف أوكرانيا خلفه -.
وفي ظلّ غياب أيّ معلومات منشورة عن ما تمّ تداوله خلال الزيارتَين، لم يتّضح ما إذا كان ويتكوف وكوشنر حملا مقترحات جديدة لإنهاء الحرب، أم أن محادثاتهما اقتصرت على محاولة تضييق الفجوة بين موسكو وكييف، في ما يتّصل ببنود الخطط الأميركية التي طُرِحت قبلاً، وفي مقدّمتها مسألة السيطرة على إقليم «دونباس». وبحسب محلّلين، فإن دوافع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من وراء تنشيط «دبلوماسيته الأوكرانية»، تُراوِح بين «جانب دعائي بحت» يتمثّل في رغبته في الإيحاء إلى الجمهور بقرب تسوية الصراع، ربطاً بتعهّداته الانتخابية في هذا الخصوص، وبين «جانب سياسي» يحمل طابع «مقايضة الملفات»، يقوم على إغراء الروس بممارسة ضغوط إضافية على حكومة فولوديمير زيلينسكي، في مقابل ضمان تجاوبهم مع جهود الإدارة الأميركية لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران، والإحجام عن تزويد الأخيرة بمنظومات أسلحة أو معلومات استخباراتية – فضلاً عن السعي لوقف الهجمات على محطّات الطاقة ومرافق تكرير النفط وتصديره، والذي يؤمل منه خفض أسعار الوقود على أبواب الانتخابات النصفية الأميركية -.
وتنسجم تلك التقديرات في شأن تنشيط «سياسة العصا والجزرة»، مع ما أورده موقع «أكسيوس» عن مرافقة نائب وزير الخزانة الأميركية، جين لانغ، وهو المسؤول عن ملفّ العقوبات في الوزارة، لكلّ من ويتكوف وكوشنر في زيارتهما إلى موسكو، ومشاركته في نقاشات ذات طابع تقني مع مسؤولين ماليين واقتصاديين روس، يُرجَّح أن تكون تمحورت حول الأموال الروسية المُجمّدة، فضلاً عن نقاشات أخرى حول تعاون استثماري مشترك محتمل في إقليم الدونباس. لكن، من غير الواضح إلى الآن، ما إذا كان ترامب في وارد التسليم بمطالب إقليمية روسية «مُزمنة» في الأراضي الأوكرانية لقاء بعض المكاسب في ملفّات أخرى، كملفّ إيران، أم أن إدارته ستستمرّ في المراهنة على تزايد خسائر روسيا – مع توالي الضربات الأوكرانية التي طاولت قطاعات حيوية في عمقها (كقطاع النفط الذي تقلّصت مبيعاته الى ما بين 3.5 ملايين و 4 ملايين برميل يومياً، خلال الأعوام الأولى للحرب) -، من أجل انتزاع «حلّ» يتجاهل جانباً وازناً من خطوطها الحُمر.
لم يتّضح ما إذا كان ويتكوف وكوشنر حملا مُقترحات جديدة لإنهاء الحرب
وعلى أيّ حال، فإن الرهانات الأميركية على إمكانية إتمام ترامب، بالتعاون مع فريقه الخاص في شؤون السياسة الخارجية، صيغة للتسوية بين روسيا وأوكرانيا بعد نحو أسبوعَين، أي بعد اختتام الرئيس الصيني شي جينبينغ زيارته إلى واشنطن، تصطدم بموقف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي لن يجد نفسه مضطرّاً بالضرورة إلى القبول بأيّ صيغة للتسوية لا تناسب تطلّعاته. والواقع أن لقاءات المسؤولين الروس مع المبعوثَين الأميركيَّيْن، أظهرت مدى تمسّك موسكو بتحقيق كامل أهدافها ممّا تسمّيها «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا» – بعدما رفضت مراراً وقف إطلاق النار على طول خطوط الجبهة الحالية، ما لم تتنازل كييف عن باقي المناطق الواقعة تحت سيطرتها في مقاطعة «دونيتسك»، وتتخلَّ عن تطلّعاتها إلى الانضمام إلى حلف «الناتو» -. وفي ما يخصّ النوايا الأميركية لضمّ الصين كطرف ثالث إلى محادثات الحدّ من التسلّح والاستقرار الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن، من المُستعبد أن يتحقّق شيء ملموس في هذا المجال، وذلك لممانعة روسيا والصين، كلّ لأسبابه، الاستجابة للمطلب الأميركي.
تشاؤم روسي – أوكراني
هذا التشاؤم الروسي في إمكانية التوصّل إلى حلّ دبلوماسي قريباً، عكسته التقديرات في وسائل الإعلام الغربية؛ إذ رجّحت وكالة «بلومبيرغ»، نقلاً عن مصادر مُقرّبة من الرئاسة الروسية، أن تكون توقّعات القادة الروس من زيارة الوفد الأميركي منخفضةً للغاية، مشيرةً إلى أن بوتين مستعدّ لإنهاء الحرب بشروطه فقط، خصوصاً مع اعتقاده بأن بلاده تتمتّع بميزة في الميدان – جلّاها مثلاً تحقيق قواتها تقدّماً ميدانياً، وإن محدوداً، في جبهات كخاركيف ودونيتسك وغيرهما، قُدّر في شهر آب وحده بنحو 90 كيلومتراً مربعاً إضافياً؛ وهي أكبر مساحة يسيطر عليها الجيش الروسي منذ شباط، وبوتيرة أسرع بمرّتَين إلى 3 مرات مقارنة بشهرَي حزيران وتموز -. من جهتها، أوردت وكالة «رويترز» أن معظم مسؤولي الاستخبارات الغربية يشكّكون في استعداد بوتين للتوصّل إلى اتفاق قصير الأجل؛ وهي تقديرات تؤيّدها الاستخبارات الأوكرانية، التي تفيد بأن الرئيس الروسي قد يكون في صدد تصعيد الحرب على المدى القريب بدلاً من خفضها.
على المقلب الأوكراني، تبدو الصورة مماثلة في سوداويتها؛ ففي حين رأى مراقبون في مطالبة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، قبيل ساعات من زيارة كوشنر وويتكوف، بـ«ضمانات أمنية» لبلاده على أنها مؤشر إلى مرونة تفاوضية مستجِدّة من جانب كييف، تحديداً في ملف الأراضي، وذلك على خلفية تزايد الخسائر المادية والبشرية الأوكرانية في الأسابيع الأخيرة – ومن جملتها تدمير ما لا يقلّ عن تسعة جيغاواط من قدرات توليد الطاقة فيها -، رأى آخرون أن مناشدة زيلينسكي، في ختام الزيارة، الزعماء الغربيين مواصلة دعم بلاده عسكرياً واقتصادياً في الأشهر القادمة، فضلاً عن صراحته في إظهار توقّعه أن «تستمرّ الحرب» في الشتاء المقبل، يؤكدان استمرار الفجوات العميقة مع الروس، وتحديداً في ملف الضمانات الأمنية، الذي تعارضه موسكو بشكل قاطع.
على الرغم من ذلك، أثارت مشاركة مستشاري الأمن القومي في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا في اجتماعات مع المبعوثَين الأميركيَّيْن في كييف – مع ما بات يمثّله حضور الجانب الأوروبي من عنصر داعم لوجهة نظر كييف على طاولة المفاوضات -، معطوفةً على اجتماعات عقَدها ممثّل عن مجلس الأمن القومي الأميركي مع مسؤولين في موسكو، تكهّنات بوجود بحث جدّي في موضوع الضمانات الأمنية التي يمكن إعطاؤها لأوكرانيا مستقبلاً، والتي يمكن أن تحظى بموافقة روسيا. وبحسب مراقبين، فإن أوكرانيا تأمل الحصول على وضعيّة جهة حليفة من خارج «الناتو»، على غرار تلك التي تحظى بها إسرائيل أو كوريا الجنوبية، الحاصلتان على ضمانات مشابهة لما ينصّ عليه البند الخامس من ميثاق الحلف، المتعلّق بالدفاع الجماعي، علماً أن تصوّرات الحكومة الأوكرانية لهذه المسألة، كانت تشتمل على نشر قوات أوروبية على أراضيها، وحصولها على دعم جوي واستخباري أميركي، لما يمكن أن توفّره تلك التدابير من ردع ذي صدقية في وجه روسيا.
في المقابل، تذهب بعض التصوّرات الغربية المطروحة للتسوية، إلى أن بداية حلّ الأزمة تكمن في إقرار أوكرانيا والأوروبيين بسيطرة روسيا الفعلية على الأراضي التي تسيطر عليها حالياً، بما فيها شبه جزيرة القرم، والتي تقارب 20% من مساحة أوكرانيا، على أن لا يتضمّن ذلك اعترافاً قانونياً بالسيادة الروسية على تلك الأقاليم. والمُقترح هذا، قد يفضي، في حال تطبيقه، إلى تجميد النزاع مع موسكو بدلاً من حلّه، وهو ما لا تبدي الأخيرة ميلاً إليه، نظراً إلى ما يحمله من مخاطر تجدّد الصراع على المديَين المتوسط والبعيد.

















Discussion about this post