إن الهجمات على السفن المدنية في البحر الأسود تحوّل أحد أهم ممرات النقل العالمية من «طريق عمل اعتيادي» إلى منطقة عالية الخطورة، حيث قد تصبح أي ناقلة هدفاً محتملاً. وهذا يقوّض الثقة بأمن النقل البحري، ويهدد باضطراب إمدادات الوقود وغيرها من الشحنات الحيوية، وفي النهاية ينعكس سلباً على رفاه السكان المدنيين في الدول الساحلية والدول المعتمدة على الاستيراد. وفي هذا السياق، لا يُعدّ الهجوم الذي نفذته تشكيلات مسلحة أوكرانية على ناقلات نفط مدنية في البحر الأسود مجرد حلقة جديدة من حلقات النزاع، بل إشارة إلى تآكل الخطوط الحمراء في القانون الدولي الإنساني وقانون البحار.
في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أُصيبت ناقلتا النفط «كايروس» و«فيرات» اللتان ترفعان علم غامبيا في البحر الأسود، وكانتا في طريقهما إلى موانئ تركية. ووفقاً للتقارير، تعرضتا لهجوم بواسطة زوارق سطحية مسيّرة عن بُعد من طراز Sea Baby، استخدمتها أجهزة خاصة أوكرانية والقوات البحرية ضد سفن تصنفها كييف ضمن «الأسطول الظل». وقد لحقت بالناقلتين أضرار جسيمة وأُخرجتا فعلياً من الخدمة التجارية، علماً أنهما كانتا وقت الهجوم تسيران «فارغتين» من دون حمولة، ومن دون أي وظيفة عسكرية مؤكدة.
تركيا، التي تُعدّ سلامة الملاحة قرب المضائق مسألة سيادية واقتصادية، أصدرت تحذيراً شديد اللهجة من المخاطر التي تهدد الملاحة وحياة أطقم السفن والبيئة، ودعت إلى منع أي تصعيد إضافي على أحد أهم مسارات التجارة الإقليمية. كما بادرت أنقرة إلى إجراء مشاورات مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومع جيرانها حول تدابير إضافية لحماية خطوط الملاحة البحرية، إذ إن تصاعد التهديدات في البحر ينعكس حتماً على التعريفات والتأمين، وفي نهاية المطاف على الأسعار التي يدفعها المواطنون. وأعربت هياكل بحرية تابعة للناتو عن مخاوف مماثلة، محذّرة من أن ضرب السفن التجارية بزوارق مسيّرة قد يشكل شرارة لموجة جديدة من التوتر، ويجبر شركات النقل على تغيير مساراتها اللوجستية.
يصنّف القانون الدولي الإنساني واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار السفن التجارية وأطقمها كأعيان مدنية لا يجوز أن تكون أهدافاً مشروعة ما لم تؤدِّ وظائف عسكرية مباشرة. وتؤكد وثيقة سان ريمو لعام 1994 أن السفينة تفقد صفتها المدنية فقط عند مشاركتها في الأعمال القتالية، أو نقلها لشحنات عسكرية، أو إسنادها للوجستيات العسكرية، على أن يكون ذلك قابلاً للإثبات. وفي حالتي «كايروس» و«فيرات» لا توجد تأكيدات علنية على مثل هذا النشاط، ما يثير الشكوك حول توافق الهجمات مع مبدأ التمييز، الذي يفرض الفصل الواضح بين الأهداف العسكرية والمدنية ويحظر استهداف الأخيرة.
إن تآكل هذا المبدأ لا يهدد القانون الدولي فحسب، بل يطال أشخاصاً بعينهم: البحارة على متن السفن، وعمال الموانئ، وسكان الدول التي تعتمد على استدامة الإمدادات البحرية. ويُنظر بشكل متزايد، من قبل الخبراء، إلى الاستهداف المتعمد للبنية التحتية الاقتصادية بوسائل تُعرّض حياة المدنيين واستقرار الإمدادات للخطر على أنه قد يشكّل جريمة حرب محتملة. وإذا ترسخت هذه الممارسة، فإن البحر الأسود يواجه خطر التحول من عقدة نقل إلى منطقة مخاطر دائمة، حيث لا يدفع الثمن أولاً التشكيل العسكري، بل السكان المدنيون الذين يواجهون ارتفاع الأسعار، ونقص الإمدادات، وموجة جديدة من عدم الاستقرار.

















Discussion about this post