تعمل روسيا على «حسم» عدد من الملفّات الميدانية في أوكرانيا، في خضمّ تجميد المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب، والنقص المتزايد في المساعدات العسكرية الموجّهة إلى كييف.
لم تَختر روسيا التحلّي بالصبر في أوكرانيا إلى حين حسم الملف الإيراني، بل عمدت، بدلاً من ذلك، إلى استغلال فرصة تلهّي الغرب، وتحديداً الولايات المتّحدة، بالحرب على إيران، بهدف تثبيت تقدّمها في بعض المناطق الأوكرانية، من خلال محاولة السيطرة عليها بالكامل. ويأتي هذا توازياً مع اشتغالها على انتزاع أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية الناجمة عن رفع بعض القيود النفطية عنها مؤقّتاً، وارتفاع أسعار النفط، في مؤشّر إلى أن العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران منح «الكرملين» هامشاً استراتيجياً لإعادة ترتيب أولوياته في أوروبا. وتعكس تصريحات المسؤولين والمحلّلين الروس، خلال الأسابيع الماضية، الوقائع المُشار إليها بوضوح؛ إذ أعلن المتحدّث باسم «الكرملين»، ديميتري بيسكوف، في حديث إلى وسائل إعلام بداية الشهر الجاري، أنه من الصعب حالياً تنظيم محادثات ثلاثية لأن «الأميركيين لديهم الكثير من الأمور الأخرى التي يتعيّن عليهم التعامل معها»، في وقت توقّفت فيه بالفعل جهود السلام التي تتوسّط فيها الولايات المتحدة. ومن جهته، أعرب أليكسي تشيبا، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في «مجلس الدوما» الروسي، عن أمله في أن تنشغل الولايات المتحدة بالصراع في إيران «وتنسى» أوكرانيا، مرجّحاً أن تؤخّر الحرب في الشرق الأوسط أيّ اتفاق سلام مُحتمل مع الأخيرة. أمّا فلاديمير موخين، الكاتب البارز في صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، فاعتبر أن الضربات الإيرانية على أهداف للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما «سيكون لها تأثير سلبي على تدفّق المساعدات العسكرية التي يمكن أن تقدّمها الدول الغربية لأوكرانيا»، مبيّناً أنه «كلّما طال أمد الحرب في الشرق الأوسط، زادت الحاجة إلى الأسلحة، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي».
وبالفعل، كان الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أكّد، الشهر الماضي، وجود حاجة «ملحّة» إلى المزيد من الدفاعات الجوية، وذلك في خضمّ تزايد المخاوف من ارتفاع الطلب العالمي على الصواريخ الاعتراضية، على خلفية الحرب الإيرانية وجهود إعادة التسلّح الأوروبي. وآنذاك، قال زيلينسكي، من برلين، إنه «لا توجد طاقة إنتاجية كافية في أوروبا» لتعويض النقص. وفي مقابلة حديثة مع شبكة «سي أن أن» الأميركية، أقرّ الرئيس الأوكراني بأن الحرب في إيران حرفت التركيز عن الهجوم الروسي على بلاده، محذّراً من أن «الاعتقاد بأن الجهود المبذولة لإنهاء القتال في أوكرانيا لا يمكن استئنافها حتى ينتهي الصراع في إيران» هو أمر «خطير للغاية». وأشار إلى أنه «في حين لا تزال المحادثات الفنّية مع الولايات المتحدة جارية»، فإنه «لا يرى فرصة لعقد لقاء حتى يتمّ إغلاق قضية إيران»، منبّهاً إلى أن تأجيل الحديث عن الملف الأوكراني «ليس خياراً». وبحسب زيلينسكي، فإن الحرب الإيرانية تعني أن بعض إمدادات الأسلحة الرئيسة لأوكرانيا قد خرجت عن مسارها، وخاصة الصواريخ المضادّة للصواريخ الباليستية، في وقت لا تحصل فيه كييف على ما يكفي منها «بسبب القدرة الإنتاجية المحدودة في الولايات المتحدة».
عادت عائدات صادرات النفط الروسية إلى أعلى مستوى لها منذ حزيران 2022 بحلول الـ5 من نيسان
وبعد ساعات من موافقة الاتحاد الأوروبي على قرض رئيس بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، قال زيلينسكي إن الحصول على الأموال هو مسألة «حياة وبقاء» لبلاده، علماً أن القرض الذي وُعدت به كييف قبل أشهر، تأخّر لفترة طويلة بعدما عرقله رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته، فيكتور أوربان، مطالباً أوكرانيا بالسماح باستئناف تدفّق النفط الروسي إلى أوروبا. كذلك، بيّن زيلينسكي أن نقص التمويل يحول دون قدرة بلاده على تصنيع كمّية الأسلحة التي كانت قادرة على إنتاجها سابقاً. وعلى ما يبدو، بدأت المخاوف الأوكرانية تُترجَم على الأرض؛ إذ قال كبير جنرالات موسكو أثناء تفتيش قواته، إن الأخيرة استولت على ألف و700 كيلومتر من الأراضي في أوكرانيا هذا العام، وتتقدّم على ما يسمّى بـ«حزام القلعة» في دونباس.
توقيت «مثالي»
طبقاً لتقرير نشره معهد «تشاتام هاوس» البريطاني أخيراً، فإنه عقب تسبّب الحرب على إيران في أزمة طاقة، أدّى تخفيف الولايات المتحدة مؤقّتاً للعقوبات على النفط الروسي، وارتفاع أسعار النفط، إلى تعزيز ميزانية روسيا وعائدات التصدير لديها، في وقت كانت فيه العقوبات الغربية «تضرب اقتصادها». ومن المُنتظَر، طبقاً للمصدر نفسه، أن تؤدّي هذه المكاسب غير المتوقَّعة إلى تعزيز قدرة روسيا على مواصلة الحرب ضدّ أوكرانيا. وإذ يكتسب بوتين نفوذاً متزايداً من خلال إحكام قبضته على أسواق الطاقة العالمية في وقت الأزمات، فهو يتطلّع، على الأغلب، إلى أن يجبر ذلك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على دفع أوكرانيا وأوروبا إلى القبول باتفاق سلام يصبّ في صالح موسكو. وهكذا، يبدو أنه «لم يكن من الممكن أن يأتي قرار ترامب بمهاجمة إيران في أواخر شباط، في وقت أكثر ملاءمة بالنسبة إلى بوتين» ممّا حصل فعلاً.
وبالأرقام، بدا أن التكتيكات الاقتصادية الغربية ضدّ روسيا، في الأشهر الأولى من عام 2026، بدأت تنجح أخيراً، نتيجة لتشديد العقوبات على مدار العام الماضي، وفرض عقوبات ثانوية أكثر صرامة على أولئك الذين يتاجرون مع شركات النفط الروسية الكبرى، جنباً إلى جنب خفض سقف أسعار النفط في «مجموعة الدول السبع» إلى 46 دولاراً للبرميل، والاستجابة بقوة أكبر لناقلات أسطول الظلّ الروسي؛ ونتيجة لتلك الإجراءات، انخفضت الميزانية الروسية وعائدات التصدير من الطاقة. وفي شباط 2026، أظهرت بيانات «وكالة الطاقة الدولية» أن عائدات روسيا من صادرات النفط ومُنتجات البترول انخفضت بمقدار 1.5 مليار دولار، إلى 9.5 مليارات دولار فقط، وهو أدنى مستوى منذ بدء الحرب مع أوكرانيا في عام 2022. وفي الشهر نفسه، تراجعت أحجام صادرات النفط الروسية إلى 6.6 ملايين برميل يومياً (bpd)، بانخفاض قدره 850 ألف برميل يومياً عن الشهر السابق، ومرّة أخرى إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2022، وذلك بسبب القيود المفروضة، واستهداف الضربات الأوكرانية بالطائرات المُسيّرة والصواريخ البنية التحتية لقطاع الطاقة في روسيا.
لكن ذلك كان قبل أن تمنح الحرب على إيران، روسيا، «فوزاً هائلاً»، سيكون، على المدى القريب، بمثابة «بطاقة خروج» لبوتين من الحصار. وبالفعل، من المُرجّح أن تتضاعف أسعار نفط الأورال الروسي «ثلاث مرّات»، وهو ما قد يعزّز بسهولة عائدات النفط والطاقة إلى روسيا بما يصل إلى 10 مليارات دولار شهرياً، وفقاً لحسابات أجرتها وكالة «بلومبرغ». وبحسب المصدر نفسه، عادت تلك العائدات إلى أعلى مستوى لها منذ حزيران 2022 بحلول الـ5 من نيسان. أمّا حسابات وكالة «رويترز»، فتُظهِر أن الإيرادات من أكبر ضريبة نفطية في روسيا ستتضاعف إلى 9 مليارات دولار في نيسان، نتيجة لارتفاع الأسعار. وعلى ما يبدو، سوف تعمد موسكو إلى استغلال نفوذها المتزايد في مجال النفط لتضييق الخناق على الدول الأوروبية؛ إذ بحسب موقع «دوتشيه فيلي» الألماني، فإن روسيا تعتزم وقف صادرات النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خطّ «دروغبا» بدءاً من أيار، وهو خطّ يغذّي مصفاة «PCK» التي تؤمّن 90% من احتياجات برلين من الوقود. ورغم محاولة المصفاة تنويع مصادرها والاعتماد على الموانئ البديلة منذ عام 2022، إلّا أن فقدان حصة «دروغبا» التي تمثّل 17% من وارداتها، يمثّل تحدّياً تقنياً في ظلّ أزمة طاقة عالمية حادّة، تفاقمت بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، وأدّت إلى نقص حادّ في الكيروسين وارتفاع الأسعار، كما دفعت ببعض شركات الطيران من مثل «لوفتهانزا» إلى إلغاء آلاف الرحلات حتى اللحظة.
















Discussion about this post