يتجه الاتحاد الأوروبي إلى فتح حوار مع دمشق لبحث تطبيع مشروط يشمل التعاون الاقتصادي وعودة اللاجئين وتخفيف العقوبات. يأتي هذا فيما يبقى الانفتاح الأوروبي مرتبطاً بشروط سياسية وأمنية واختبار الأوضاع على الأرض.
تستضيف بروكسل، الأسبوع المقبل، حواراً سورياً – أوروبياً برئاسة الممثّلة العليا لـ»الاتحاد الأوروبي» للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، ووزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية أسعد حسن الشيباني، في خطوة تهدف إلى تلمّس آفاق الانفتاح الأوروبي على السلطات الجديدة في سوريا، وبحث إمكانية تطويرها. ويأتي الاجتماع المُقرّر عقده الإثنين المقبل في ظلّ انفتاح أوروبي «مدروس» على دمشق، وهو يبدو مدفوعاً بجملة اعتبارات، من بينها تنشيط برامج العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى بلادهم، إلى جانب حسابات مرتبطة بخرائط النفوذ في الشرق الأوسط، بما يشمل مزاحمة روسيا في أحد أهمّ معاقلها التاريخية في المنطقة.
وقال «المجلس الأوروبي»، في بيان، إن الاجتماع يمثّل «فرصة لإحراز تقدّم نحو تطبيع العلاقات، وتقييم مختلف مسارات العمل المتعلّقة بدعم الاتحاد الأوروبي لجهود السلطات السورية من أجل استقرار سوريا، والتعافي الاقتصادي، والانتقال السياسي الشامل». وكان الجهاز الدبلوماسي لـ»الاتحاد الأوروبي» وزّع، في نيسان الماضي، وثيقة على الدول الأعضاء كشفت عن توجّه لفتح مرحلة جديدة من العلاقات مع سوريا، تبدأ بإطلاق حوار سياسي رفيع المستوى واستئناف الاتصالات الرسمية عبر مسارات متعدّدة، سياسية واقتصادية وأمنية. وتضمّنت الوثيقة مُقترحات لإعادة تفعيل «اتفاقية التعاون» الموقَّعة بين الجانبَين عام 1978 (تشمل تسهيل التبادل التجاري ومنح المُنتجات الصناعية السورية امتيازات تفضيلية لدخول الأسواق الأوروبية، في مقابل انفتاح تدريجي للسوق السورية أمام السلع الأوروبية)، إضافة إلى بنود للتعاون المالي والفني، تشمل تمويل مشاريع تنموية وبنى تحتية ودعماً لقطاعات الإنتاج، في محاولة لتعزيز اندماج الاقتصاد السوري مع الفضاء الأوروبي. كما ناقشت الوثيقة إعادة صياغة نظام العقوبات الأوروبية، بما يحافظ على أدوات الضغط، مع تخفيف القيود التي تعرقل التعافي الاقتصادي، إلى جانب إطلاق مسار تعاون اقتصادي أوسع، يقتضي تقديم تسهيلات جمركية وغيرها. إلى جانب ذلك، يُبحث إطلاق ترتيب واضح لتسهيل عودة اللاجئين السوريين، ومخطّط أمني يشمل تدريب الشرطة وتعزيز قدرات وزارة الداخلية والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة، فضلاً عن دعم جهود دمج مؤسسات شمال شرق سوريا (مناطق «قسد») ضمن مؤسسات الدولة.
بدا لافتاً انتشار شائعات حول إجراء تغييرات حكومية واسعة
واللافت في هذا الحوار أنه يأتي بعد محاولات أوروبية قادتها كلّ من فرنسا وألمانيا للانفتاح على السلطات الانتقالية في سوريا، وذلك عبر تقديم دعم سياسي ومالي، كان مشروطاً بسلسلة من الإجراءات التي تصدّرها تَشكيل حكومة تمثّل جميع السوريين، ومحاربة الإرهاب، وضمان حقوق الأقليات. وهي شروطٌ لم تلتزم بها السلطات الانتقالية، أو لم تتمكّن من تنفيذها لأسباب تتعلّق بتركيبتها التي تحظى فيها التيارات المتشدّدة بموقع قيادي متقدّم. وفي تعليقها على مسار الانفتاح الأوروبي، دعت منظّمة «هيومن رايتس ووتش»، «الاتحاد الأوروبي»، إلى استثمار هذا الحوار للضغط على السلطات السورية، واعتماد مقاربة «المزيد مقابل المزيد»، وذلك عبر ربط التعاون بتحقيق تقدّم ملموس في ملفات العدالة والمُساءلة، محذّرةً من أن الالتزامات التي كان من المُفترض على السلطات الانتقالية تحقيقها «بدأت تفقد زخمها في ظلّ بيئة إقليمية ودولية مضطربة، ومخاطر متزايدة بعودة الانتهاكات». كما طالبت بالضغط لإنشاء مسارات قضائية مستقلّة وذات مصداقية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة من جميع الأطراف، بما يشمل توسيع صلاحيات «هيئة العدالة الانتقالية» لتغطية الانتهاكات من دون استثناء، وضمان تعاون دمشق مع آليات التحقيق الدولية، وعلى رأسها الآلية الدولية المحايدة والمستقلّة، ولجنة التحقيق الأممية. وشدّدت المنظمة، في رسالة وجّهتها إلى «الاتحاد الأوروبي»، على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلّة في الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال عام 2025 (مجازر الساحل في شهر آذار ومجازر السويداء في شهر تموز)، ورفع القيود المفروضة على عمل المجتمع المدني، وضمان بيئة آمنة للمنظّمات المستقلة، إلى جانب حماية حقوق التعبير والتجمّع والتنقّل، ووقف الاعتقالات التعسّفية وأشكال القمع الأخرى. وإذ دعت إلى إخضاع أيّ مساعدات أوروبية لآليات «رقابة صارمة»، لضمان عدم استخدامها بشكل تمييزي أو سياسي، فقد نبّهت، في الوقت نفسه، إلى ضرورة عدم الدفع نحو عودة اللاجئين قبل توافر شروط آمنة وكريمة ومستدامة.
أمّا على المقلب الداخلي، فبدا لافتاً انتشار شائعات حول إجراء تغييرات حكومية واسعة، «بما يتوافق مع الشروط الأوروبية»، الأمر الذي لم تنفِه أو تؤكّده أيّ مصادر محايدة، في وقت تناقلت فيه حسابات مقرّبة من السلطات الانتقالية نفياً لهذه الأنباء. وأيّاً كانت نتائج الحوار المُزمع إجراؤه بين السلطات و»الاتحاد الأوروبي»، فإن نتائجه تبقى مرهونة بما يجري على الأرض، حيث ما زالت سوريا ترزح تحت وطأة مشاكل عميقة، بعضها يرتبط باستمرار التحريض الطائفي، وعمليات القتل والخطف على خلفية طائفية، وبعضها الآخر يتّصل بمحاولات السلطات نفسها تشديد قبضتها على مفاصل الحكم. ومن شأن ذلك أن يشكّل اختباراً حقيقياً لمدى نجاح المساعي الأوروبية الجديدة، في وقت تمّ فيه غضّ النظر عن الوجود الروسي في سوريا، والذي لم يعُد يشكل محوراً أساسياً للحوار مع أوروبا، بعد اقتناع الأخيرة، على ما يبدو، بأن هذا الوجود مستمر.

















Discussion about this post