حضر فلاديمير بوتين إلى الصين بصفته «صديقاً قديماً» لزعيمها شي جين بينغ، في زيارة أنتجت عشرات الاتفاقيات في مختلف المجالات، وبيانات تندّد بـ«عقلية الاستعمار الجديد» في الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم.
إذا كان لا بدّ من المقارنة بين زيارتَي دونالد ترامب وفلاديمير بوتين المتتاليتَين إلى الصين، فلن يكون ذلك من باب ما تسمّيه بعض وسائل الإعلام «فروقات» في الاستقبال، أو الوفود المرافقة لكلّ من الطرفَين؛ بل إن الفرق الرئيسيّ يكمن في أن الولايات المتحدة كانت مُمثَّلة برئيس يحاول الترويج لصفقات «ضخمة» على أنها «إنجازات جديدة» تُضاف إلى سجلّه – في خضمّ تآكل شعبيته في الداخل الأميركي -، ويسعى لـ«احتواء» الصراع مع بكين في لحظة حسّاسة، بينما حضر بوتين إلى «الجمهورية الشعبية»، بصفته «صديقاً قديماً» لزعيمها، قبل أن ينتهي بهما الأمر إلى توقيع بيان مشترك من 47 صفحة حول تعزيز الشراكة، جنباً إلى جنب إعلان مشترك حول «نوع جديد من العلاقات الدولية، وإقامة نظام عالمي متعدّد الأقطاب».
وبينما لم يعلن البيت الأبيض، إلا متأخّراً، صفقات لبيع 200 طائرة «بوينغ» وما لا يقلّ عن 17 مليار دولار من المُنتجات الزراعية الأميركية سنوياً إلى الصين حتى عام 2028، وقّع شي وبوتين نحو 40 وثيقة، إضافة إلى بيانات وإعلانات مشتركة «مُطوّلة». وفي هذا الإطار، نقلت مجلة «تايم» الأميركية عن ألكسندر كوروليف، الخبير في العلاقات الصينية – الروسية في جامعة «نيو ساوث ويلز»، قوله إن ترامب «ذهب للحصول على المال، بصراحة، وكتاجر لبيع الطائرات وإبرام بعض الصفقات الزراعية. أمّا بوتين، فيركّز أكثر على التعاون الاستراتيجي». ورأى كوروليف أنه عقب زيارة بوتين، «عزّز شي الموقف القائل بأن سياسات القوى العظمى يجب أن تمرّ الآن عبر بكين، وأن الأخيرة هي المكان الذي تتمّ فيه الآن مناقشة أهمّ قضايا الجغرافيا السياسية العالمية».
وبعدما ضجّت وسائل الإعلام الغربية بمواقف نَسَبتها إلى الصين حول إيران، جاء الموقف الرسمي الصيني الأكثر وضوحاً منذ زيارة ترامب، على لسان رئيس البلاد، بعد ساعات من استقباله بوتين، إذ دعا شي، ترامب، بوضوح، إلى عدم استئناف الأعمال العدائية في الشرق الأوسط، قائلاً إن «وقف إطلاق النار الشامل أمر ضروري، واستئناف الحرب أمر غير مقبول على الإطلاق، والالتزام بالمفاوضات مهمّ بشكل خاص». وجاءت تصريحات الرئيس الصيني بعد أن هدّد ترامب باستئناف الضربات على إيران في الأيام المقبلة، في إطار الضغط عليها من أجل التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وفي مستهلّ محادثاته مع الوفد الروسي برئاسة بوتين، حذّر شي من أن «العالم يواجه خطر العودة إلى (قانون الغاب)»، ما يجعل «أهمية معاهدة حسن الجوار بين الصين وروسيا أكثر وضوحاً». كذلك، وفي بيان مشترك أعقبَ المحادثات بين الزعيمين، أكّد الأخيران أنهما يعتبران «الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي»، منبّهَيْن إلى أن «هذه الأعمال غير المشروعة تقوّض الاستقرار في الشرق الأوسط». كما دَعَوَا إلى العودة إلى مسار الحوار والمفاوضات «بهدف منع توسّع رقعة النزاع».
أكّد بوتين وشي أن الأعمال الأميركية – الإسرائيلية «غير المشروعة» تقوّض الاستقرار في الشرق الأوسط
وأشار البيان المشترك إلى أن موسكو وبكين ترصدان تزايد المنافسة على الساحة الدولية وارتفاع حدّة التوتر في العلاقات الدولية، مضيفاً أن تلك التوترات «تغذّيها سياسات عدوانية تتبنّاها بعض الدول التي تتحرّك وفق منطق الهيمنة والتفكير الاستعماري الجديد». كذلك، لفت البيان إلى أن روسيا والصين تؤكّدان أن مثل هذه الممارسات، بما فيها توجيه ضربات عسكرية غادرة ضدّ دول أخرى، واستغلال المفاوضات كغطاء للتحضير لتلك الضربات، واغتيال قيادات دول ذات سيادة، وزعزعة الاستقرار الداخلي فيها ودفعها نحو تغيير أنظمتها، إضافة إلى اختطاف قادة وطنيين لمحاكمتهم، تشكّل انتهاكاً صارخاً لأهداف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ومبادئهما. وخلص إلى أن الأفعال المُشار إليها تُلحِق ضرراً جسيماً بأسس النظام العالمي الذي تَشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وتمسّ بالقواعد الحضارية للعلاقات بين الدول.
تعاون «شامل»
وصل ساكن الكرملين، أمس، إلى «قاعة الشعب الكبرى» في ميدان تيانانمن في بكين، حيث استقبله نظيره الصيني شخصياً، قبيل انطلاق المحادثات بين الزعيمين. وعقب اللقاء، أفادت وسائل إعلام روسية وصينية بأنه تمّ التوقيع على حزمة من الوثائق الحكومية والتجارية التي تهدف إلى تعميق التعاون في مجالات الطاقة الذرية والصناعة والتجارة والنقل والتشييد والبناء والتعليم والسينما، وغيرها. ومن بين الوثائق الموقَّعة، بيان حول دعم التجارة المفتوحة والتعدّدية، ومذكّرات تفاهم بشأن التعاون العلمي والتقني، والتفاهم حول تطوير التجارة المُستدامة، وفي مجال التخطيط الحضري. كما تمّ التوقيع على مذكّرات تفاهم في خصوص التعاون في مجال مكافحة الاحتكار وإعداد الكوادر، جنباً إلى جنب اتفاقية حول التعاون الإعلامي. كذلك، وقّعت روسيا والصين اتفاقية لبناء خطّ سكة حديد، يُعرف بمعبر «زابايكالسك – مانشوريا» الحدودي، ويُعدّ أكبر نقطة عبور على الحدود الروسية – الصينية، تتمّ فيها عملية إعادة شحن البضائع من عربات السكك الحديدية الروسية العريضة القضبان (1520 ملم) إلى العربات الصينية (1435 ملم)، والعكس بالعكس.
وبعدما كان متوقّعاً إلى حدّ كبير أن يكتسب مشروع «قوة سيبيريا 2» زخماً جديداً في النقاشات الثنائية، على ضوء تسبّب عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران باضطرابات ضخمة في إمدادات النفط العالمية، أعلن المتحدّث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، أن روسيا والصين توصّلتا بشكل عام إلى «تفاهم حول المعايير الرئيسيّة للمشروع»، قائلاً للصحافيين: «أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم، خلال المفاوضات، إلى وجود تفاهم عام حول المعايير الأساسية لمشروع (قوة سيبيريا 2)، سواء من حيث المسار أو من حيث كيفية تنفيذ البناء». وأردف: «لا تزال هناك بعض التفاصيل الدقيقة التي يتعيّن الاتفاق عليها، لكنّ هذا التفاهم قائم بشكل عام». وكان أكّد بوتين، خلال محادثاته مع نظيره الصيني، أن روسيا ماضيةٌ في الحفاظ على دورها «كمورّد موثوق للطاقة في خضمّ الأزمة المستمرة في منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن قطاع الطاقة يشكّل «المحرّك الأساسي» للتعاون الاقتصادي بين موسكو وبكين.

















Discussion about this post