مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تتسابق قوى اليمين على نسف ما تبقّى من خطة ترامب بشأن غزة، عبر التعهّد بإبقاء الاحتلال وطرح مشاريع للتهجير وتوسيع الحرب، في انعكاس لتصاعد الخطاب المتطرف.
غزة | يطيح الموسم الانتخابي الإسرائيلي بما تبقّى من بنود خطّة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومشروع «مجلس السلام» في قطاع غزة برمّته؛ إذ يتبارز المرشّحون، بصوت عالٍ، في إعلان التمرّد على الركائز الأساسية التي أُبرم بموجبها «اتفاق شرم الشيخ» في تشرين الأول 2025. وكان أوّل من رفع لواء التنصّل من تلك الالتزامات، رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي زار قطاع غزة، أول من أمس، ووقف في مناطق «الخطّ الأصفر»، مطلّاً على مدينة غزة التي حوّلها خلال 3 سنوات من حرب الإبادة إلى كومة من الركام. ومن هناك، أعلن نتنياهو أن «إسرائيل لن تنسحب من القطاع»، قائلاً: «نحن نسيطر على 60% منه وسنبقى في هذا الخطّ لنكافح التهديدات الأمنية».
ولا يمثّل هذا الموقف، الذي أطلقه نتنياهو كعهد انتخابي، تبرّؤاً من استحقاق «المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار فقط، وإنما أيضاً تنصّلاً كاملاً من الخطّة الأميركية الهادفة إلى إنهاء الصراع، التي احتوت -للمفارقة- الكثير من البنود المتماهية مع المطالب الإسرائيلية، من مثل تحويل حركة «حماس» إلى حزب سياسي، ونزع سلاح القطاع، وإعادة بناء غزة على أسس اقتصادية واستثمارية جديدة. وبعيداً عن التقدير الذي تروّج له وسائل إعلام غربية، ومفاده أن تلك التصريحات ذات صلة بالمسار الانتخابي أكثر من أيّ شيء آخر، فالأكيد أن شعارات تشديد الحصار، ومراكمة معاناة القطاع، والتعهّد بتهجير أهله، تحوّلت بالفعل إلى أكثر الشعارات شعبوية وقبولاً في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يفسّر على الأرجح تسابق أطياف القوس السياسي على تبنّيها.
يتنافس أقطاب الحكومة الإسرائيلية في إظهار مزيد من العنف والبطش تجاه الفلسطينيين
وفي خضّم اشتداد سخونة هذه البازارات، دخل وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، على الخطّ، معلناً أن «خطة تهجير سكان قطاع غزة هي برنامجه الانتخابي الذي يتقدّم به في الانتخابات المقبلة». وزعم أن «90% من سكّان القطاع موافقون على الهجرة منه إلى الأبد»، مدّعياً أيضاً أن «هناك دولاً مستعدّة لاستقبال سكان القطاع، مقابل منح مالية». ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن خطّة «فك الارتباط 710» التي تمثّل محوراً أساسياً في حملة بن غفير الانتخابية، ويعدّ تنفيذها الشرط الأول لحزبه للانضمام إلى الحكومة المقبلة، تهدف إلى تشجيع الهجرة من غزة. وبيّنت الصحيفة أن «الخطّة تستهدف إخراج 250 ألف فلسطيني خلال السنة الأولى، و1.11 مليون خلال 3 سنوات، و1.86 مليون خلال 7 سنوات، كما تقترح إعداد مسار شخصي لكلّ فرد أو عائلة، يشمل تحديد دولة الاستقبال والوضع القانوني، واستخراج الوثائق والتأشيرات، وتمويل السفر والسكن الأولي والتأهيل المهني والتوظيف، مع مرافقة تستمرّ حتى 24 شهراً». ويقدّم مقترح بن غفير، الذي يطالب بإنشاء «وزارة للهجرة الطوعية» تتولّى المفاوضات الدولية والتنفيذ، «تركيا وإثيوبيا والكونغو وعدّة دول عربية كوجهات محتملة، فيما تبلغ كلفته -كاستثمار إسرائيلي أوّلي- 10 مليارات شيكل، وكإطار تمويل إضافي 50 مليار شيكل». غير أن هذا المشروع يواجه، بحسب الصحيفة ذاتها، عقبات جوهرية، أبرزها عدم وجود دولة وافقت حتى الآن على استقبال أعداد كبيرة من سكّان غزة -رغم وجود اتصالات إسرائيلية سابقة في هذا الشأن مع إثيوبيا والكونغو و«صوماليلاند» ودول أخرى في أفريقيا-، فضلاً عن وجود معارضة دولية كبيرة للتهجير.
أمّا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، فذهب إلى مستوى مماثل من المزايدة، إنما من بوابة الضفة الغربية المحتلة؛ إذ توعّد بأن إسرائيل ستضطرّ إلى خوض حرب هناك بهدف تجريد الفلسطينيين من الأسلحة التي وصفها بـ«غير القانونية»، وادّعى وجود مئات آلاف قطع السلاح في الضفة، إلى جانب نحو مليون قطعة سلاح في المجتمع العربي داخل إسرائيل، محذّراً من إمكانية استخدامها في تنفيذ هجوم مماثل لهجوم 7 أكتوبر.
هكذا، يتنافس أقطاب الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي وصفها المؤرّخ اليهودي، زكاري فوستر، بأنها «الأكثر يمينية» في تاريخ إسرائيل، في إظهار مزيد من العنف والبطش تجاه الفلسطينيين، متطلّعين من وراء ذلك إلى تعزيز حضورهم الانتخابي، في مجتمع بات أصلاً متماهياً مع هذا الخطاب. وذكّر فوستر بأن استطلاعاً للرأي أُجري قبل نحو عام، أظهر أن قرابة نصف اليهود الإسرائيليين يؤيّدون قتل جميع سكّان أيّ مدينة يسيطر عليها جيش الاحتلال، فيما يؤيّد 61% منهم سحب الجنسية من الفلسطينيين في الداخل المحتلّ وطردهم.

















Discussion about this post