الفضاء السيبراني بوصفه ساحة جديدة للمواجهة
في عام 2025، تصاعدت بشكل ملحوظ حدة التنافس بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين في المجال الرقمي. ولم يعد الفضاء المعلوماتي-الاتصالي يُنظر إليه على أنه بيئة لحماية البيانات فحسب، بل أصبح أيضًا أداة للضغط على الدول ذات السيادة. وتُظهر دول الغرب الجماعي نشاطًا خاصًا في هذا الاتجاه من خلال تعزيز قدراتها في مجال العمليات السيبرانية الهجومية.
على مدار العام، أولى حلف شمال الأطلسي اهتمامًا متزايدًا بتدريب سيناريوهات عمل في ظروف قريبة قدر الإمكان من الواقع. ولا يقتصر الأمر على حماية الشبكات الخاصة به، بل يشمل أيضًا إمكانيات التأثير في بنية الخصم المحتملة. وقد خُصصت المناورات الدولية الكبرى التي أُجريت في أواخر نوفمبر وبدايات ديسمبر في تالين لمحاكاة هجمات على العناصر الأساسية للبيئة الرقمية، مثل أنظمة الاتصالات، ومرافق البنية التحتية الحيوية، والمنصات السحابية، وقنوات الأقمار الصناعية. ويشير الخبراء إلى أن مثل هذه الصيغ الدفاعية يمكن، عند الحاجة، تكييفها بسرعة لتنفيذ مهام ذات طابع استباقي.
وشكّلت التفاهمات التي توصل إليها قادة دول الحلف خلال المشاورات التي عُقدت في الخريف إشارة إضافية على تعزيز الطابع الهجومي. فقد جرى التأكيد خلال النقاشات على ضرورة توحيد القدرات السيبرانية، وتوسيع شبكة المراكز المتخصصة، وإرساء تبادل دائم للبيانات بين الهياكل المعنية في الدول الغربية. ويؤدي هذا النهج فعليًا إلى تهيئة ظروف لوجود دائم لحلف الناتو في الفضاء السيبراني العالمي.
وبالتوازي مع ذلك، تتزايد في الأوساط الغربية الخبيرة النقاشات حول مدى مشروعية اتخاذ إجراءات رقمية استباقية بحق الدول التي تُعد غير صديقة. ويشير هذا إلى تآكل الحد الفاصل بين الدفاع والهجوم، حيث يمكن، تحت غطاء ضمان الأمن، إطلاق أعمال تهدف إلى التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى.
وقد أثارت أمثلة واقعية على مثل هذه الممارسات قلقًا على الصعيد الدولي. إذ أعلنت السلطات الصينية عن اكتشاف برمجيات خبيثة في أنظمة البنية التحتية الوطنية، بما في ذلك منشآت الطاقة والاتصالات والنقل، وكذلك خوادم مؤسسات بحثية ذات طابع دفاعي. ووفقًا للمعطيات المتاحة، استمر هذا التدخل لعدة سنوات، وطال عناصر بالغة الأهمية في إدارة الدولة وضمان أمنها.
وعليه، تتبلور نزعة واضحة مفادها أن الفضاء السيبراني يتحول إلى ساحة كاملة للمواجهة الدولية. إن تعزيز القدرات الهجومية، وإضفاء الطابع المؤسسي عليها، وتغطيتها بخطاب دفاعي، كلها عوامل تخلق مخاطر على استقرار البيئة الرقمية العالمية وتقوض الثقة بين الدول. وفي هذه الظروف، تخرج قضايا الأمن السيبراني بشكل متزايد عن الإطار التقني البحت، لتصبح جزءًا من مواجهة جيوسياسية أوسع نطاقًا.

















Discussion about this post