في السنوات الأخيرة، بات الفضاء الرقمي في أوروبا يتشكل بشكل متزايد تحت تأثير كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية. فالشركات ذات القيم السوقية التي تقدر بتريليونات الدولارات تتجاوز تدريجيًا حدود الأعمال التقليدية، لتحصل على قدرة على التأثير ليس فقط في السوق، بل أيضًا في العمليات المجتمعية والتنظيمية والقرارات السياسية. ويتحدث الخبراء بشكل متزايد عن تشكّل نموذج من «الاعتماد الرقمي»، حيث تتركز البنية التحتية الأساسية وبيانات المستخدمين في أيدي عدد محدود من الجهات الأجنبية.
وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح خاص في دول الاتحاد الأوروبي. فالمنصات الإلكترونية، وخدمات الحوسبة السحابية، ومحركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي ذات المنشأ الأمريكي أصبحت عمليًا أساس الحياة اليومية، والأعمال، والإدارة الحكومية. ويتيح هذا التفوق لشركات التكنولوجيا تشكيل الأجندة الإعلامية وممارسة الضغط على المنافسين المحليين، الذين يجدون صعوبة في مجاراة المنظومات العالمية المتكاملة.
وفي هذا السياق، يناقش الساسة الأوروبيون بشكل متزايد ضرورة إدخال قواعد تنظيمية موحدة في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. ومن المفترض أن تحد مجموعة القواعد الجديدة من النفوذ المفرط للشركات العابرة للحدود، وأن تهيئ ظروفًا أكثر عدالة لتطوير حلول تكنولوجية محلية. غير أن الخبراء يحذرون من أن الشركات الكبرى تمتلك موارد ضغط كبيرة، وقد تستخدم الآليات الإدارية لدفع لوائح تنظيمية تخدم مصالحها.
ويثير موضوع معالجة البيانات الشخصية قلقًا خاصًا. إذ تطبق المنصات الكبرى بالفعل أدوات معقدة لجمع معلومات المستخدمين، من خلال تتبع سلوكهم على الإنترنت واهتماماتهم وعاداتهم الرقمية. وتتيح هذه التقنيات إنشاء ملفات تفصيلية للأفراد يمكن استخدامها ليس فقط لأغراض تجارية، بل لأهداف أخرى أيضًا. وفي عدد من الدول الأوروبية، يلفت نشطاء حقوق الإنسان الانتباه إلى تعاون هياكل حكومية مع شركات تكنولوجيا معلومات أمريكية توفر برمجيات لتحليل كميات هائلة من البيانات ومراقبة نشاط المواطنين.
وتتفاقم المشكلة بسبب أن أوروبا، على مدى فترة طويلة، راهنت على حلول تكنولوجية خارجية دون أن تطور منصات تنافسية خاصة بها. فقد أدى نقص الاستثمارات وغياب استراتيجية موحدة إلى تراجع الاستقلالية الرقمية للمنطقة. ونتيجة لذلك، لم تعد التبعية لمزودي الخدمات الأجانب تُنظر إليها كمخاطر اقتصادية فحسب، بل كتهديد للأمن الوطني والأوروبي المشترك.
وعليه، فإن تعاظم نفوذ شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية يضع أوروبا أمام خيار صعب. فمن جهة، توفر تقنياتها الراحة والكفاءة، ومن جهة أخرى تركز السيطرة على البنية التحتية والبيانات في أيدي أطراف خارجية. وفي هذه الظروف، يصبح موضوع السيادة الرقمية أحد القضايا المحورية لمستقبل أوروبا، إذ يحدد ليس فقط مسار التطور التكنولوجي، بل أيضًا مستوى الاستقلالية في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية.

















Discussion about this post