تعيش فنزويلا مرحلة معقّدة من التحوّلات السياسية والاقتصادية، انتقلت خلالها من حصار أميركي شامل إلى نموذج جديد من «الحصار الإداري»، في ظلّ ضغوط خارجية متواصلة ومحاولات داخلية للتكيّف مع واقع استثنائي.
تعيش فنزويلا، منذ مطلع العام الجاري، واحدة من أعقد المراحل في تاريخها المعاصر؛ إذ تواصل حكومتها تصريف شؤون البلاد تحت رئاسة ديلسي رودريغيز بالوكالة، في ظلّ اختطاف الولايات المتحدة للرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس (عضو الجمعية الوطنية) فجر الثالث من كانون الثاني الماضي، وترحيلها إياهما إلى نيويورك لمواجهة تهم تتصل بالإرهاب وتجارة المخدرات. وفي وقت لا يزال فيه عدد من البوارج الحربية الأميركية تتمركز في محيط البحر الكاريبي، يستمرّ الحصار الاقتصادي بكامل بنيته القانونية، حتى مع صدور تراخيص استثنائية تخفّف بعض القيود.
وكانت شهدت الأشهر الأربعة الماضية موجة متسارعة من التحولات الاقتصادية والقانونية، يصفها المسؤولون الفنزويليون بأنها «استجابة براغماتية لظرف استثنائي». ففي 29 كانون الثاني، أقرّت «الجمعية الوطنية» تعديلاً جوهرياً على قانون المحروقات يفتح الباب أمام تعاقدات مباشرة بين شركة النفط الوطنية الفنزويلية والشركات الأجنبية من دون اشتراط تأسيس مشاريع مشتركة، ويرفع نسبة الإتاوات إلى 30%، ويستحدث آلية ضريبية متكاملة تصل إلى 15%، ويعيد العمل بالتحكيم الدولي بصفته مرجعية لفضّ النزاعات. وإلى جانب ذلك، جاء قانون العفو، في 19 شباط، ليشمل من شاركوا في محاولات الانقلاب السابقة – علماً أن البرلمان الفنزويلي رفض تطبيق هذا القانون على المعارضة اليمينية، ماريا كورينا ماتشادو وبعض المرتبطين بها، مؤكداً أن الانفتاح الاقتصادي لا يعني التنازل السياسي عن البنية الدستورية للدولة -، ثمّ تلاه استئناف العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن في 5 آذار، وإعادة افتتاح خط الطيران المباشر بين ميامي وكاراكاس مطلع أيار الجاري، إلى جانب توقيع اتفاقات استثمارية تتجاوز قيمتها مليارَي دولار مع شركات أميركية وأوروبية في قطاعات النفط والغاز والتعدين.
ولا يمكن قراءة ما جرى في ملف النفط منذ بداية العام الجاري بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع؛ ففي لحظة إعلان الولايات المتحدة سيطرتها على تدفقات النفط الفنزويلي، كانت تتأهب لشنّ حربها على إيران بعد أقلّ من شهرين، وهي الحرب التي أفضت إلى إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، ثمّ فرض واشنطن حصاراً بحرياً مضاداً على الموانئ الإيرانية. وفيما أحدث ذلك خللاً واضحاً في منظومة إمداد الطاقة العالمية في ظلّ عجز السوق العالمية عن تعويض ما يتراوح بين 4.5 و5 ملايين برميل يومياً – وهو ما تسبّب برفع الأسعار العالمية للنفط -، باتت احتياطيات فنزويلا، وهي الأكبر في العالم، ورقةً «لا غنى عنها» في الحسابات الأميركية.
وسبق أن أعلن ترامب، في 6 كانون الثاني، توقيع اتفاق مع كاراكاس يقضي بتسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط للولايات المتحدة، تتراوح قيمتها بين 2 و3 مليارات دولار؛ ثمّ أصدر بعد ثلاثة أيام أمراً تنفيذياً يضع عائدات النفط الفنزويلي في حسابات تشرف عليها وزارة الخزانة الأميركية، ويحصّنها من أيّ مطالبات من جانب الدائنين أو شركات سبق أن رفعت قضايا تحكيم تتعلّق بتأميمات حقبة الرئيس الراحل، هوغو تشافيز. وفيما تولّت شركتا «فيتول» و«ترافيغورا» تسويق الشحنات الأولى في الصفقة التي كشفت تقارير عن ارتباطات وثيقة بين بعض المتعاملين فيها والدوائر المقرّبة من الإدارة الأميركية، أكّد وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، في 28 كانون الثاني، أن فنزويلا قد تُدرّ ما يصل إلى 1.5 مليار دولار شهرياً، فيما اشترط وزير الخارجية، ماركو روبيو، أن تتقدّم كاراكاس بطلب موازنة رسمي إلى واشنطن لاسترداد جزء من أموالها.
ولم تكتفِ الولايات المتحدة بإعادة هندسة تدفقات النفط، بل فعّلت بنية قانونية جديدة، قوامها سلسلة من التراخيص العامة التي أصدرها «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» على مدار أشهر متتالية، تشمل توريد المخفّفات الأميركية إلى فنزويلا، والسماح بالمفاوضات على عقود مشروطة، وتنظيم عمليات الشركات الأجنبية الستّ الكبرى في القطاع، ثم السماح لاحقاً للشركات الأميركية بالشراء المباشر من «شركة النفط الوطنية الفنزويلية»، وأخيراً ترخيص العمليات المالية مع «البنك المركزي الفنزويلي» بعد سبع سنوات كاملة من انقطاع التعامل معه بسبب العقوبات.
هكذا، انتقلت واشنطن من الحصار الشامل إلى ما يمكن وصفه بالحصار الإداري؛ إذ يحتفظ «مكتب مراقبة الأصول» بصلاحية فتح وإغلاق كلّ قناة على حدة بحسب درجة استجابة كاراكاس، ويتمسّك، في الوقت عينه، بهيكل العقوبات الأصلي المستند إلى الأمر التنفيذي الذي مدّده ترامب في 18 شباط الماضي لعام إضافي.
أثار الانعطاف في السياسة النفطية جدلاً داخل صفوف التيار البوليفاري
وتصدّرت شركة «شيفرون» الأميركية مشهد إعادة الانتشار في الحقول الفنزويلية؛ إذ قفز إنتاجها من نحو 100 ألف برميل يومياً في كانون الأول الماضي إلى 300 ألف برميل بحلول آذار، فيما أعلن وزير الطاقة الأميركي، خلال زيارته المنشآت النفطية في 13 شباط، أن ثمة هامش إنتاج إضافي «يجب استثماره». وبالفعل، وقّعت «شيفرون» اتفاق مقايضة أصول مع شركة «النفط الوطنية الفنزويلية»، في 13 نيسان، يرفع حصتها في مشروع «بتروإندبندنسيا» من 35.8 إلى 49%، أي السقف القانوني الأقصى المسموح به للشريك الأجنبي. وإذ يستهدف الاتفاق حفر 386 بئراً جديداً ورفع الإنتاج من 110 آلاف إلى 150 ألف برميل يومياً، فهو جاء مقابل تخلّي «شيفرون» عن جزء من حصصها في حقول الغاز الساحلية في منصة «دلتانا» لصالح الشركة الفنزويلية، التي أبرمت، بدورها، مذكرة تفاهم مع شركة «بريتيش بتروليوم» لتطوير تلك الحقول.
ولم تقتصر هذه الاستثمارات على «شيفرون»؛ إذ عادت شركات خدمات كبرى من مثل «بيكر هيوز» و«شلمبرجير» و«هاليبرتون» إلى السوق الفنزويلية بعد سنوات من الانسحاب الكامل تحت ضغط العقوبات، في وقت استعادت فيه «ربسول» الإسبانية، في 16 نيسان، السيطرة التشغيلية على مشروع «بتروكيريكيري» الذي تمتلك فيه 40%، معلنةً اعتزامها رفع الإنتاج من 45 ألف برميل يومياً إلى 135 ألف في غضون ثلاث سنوات؛ علماً أن الاتفاق لم يتضمّن آلية لتسوية ما تطالب به «ربسول» من ديون متراكمة على كاراكاس تبلغ نحو 4.5 مليار يورو مقابل شحنات غاز وخام سابقة. كذلك، وقّعت شركة «إيني» الإيطالية، في 28 نيسان، اتفاقاً ضخماً في حقل «خونين 5» داخل حزام أورينوكو النفطي، وصفته رودريغيز بأنه الأكثر مدعاة للتفاؤل في تاريخ القطاع، في حين حصلت شركة «ريلاينس» الهندية على ترخيص خاص لاستيراد الخام مباشرة من فنزويلا، إلى جانب توقّع عودة «إكسون موبيل» بعد إعلان رئيسها التنفيذي اهتماماً صريحاً بذلك.
وسرعان ما ترجمت هذه التحولات نفسها في أرقام الصادرات النفطية التي قفزت بصورة لافتة لتسجّل أعلى مستوى منذ عام 2019؛ إذ ارتفعت من نحو 498 ألف برميل يومياً في كانون الأول الماضي إلى 800 ألف بحلول نهاية كانون الثاني، ثمّ إلى 1.08 مليون في آذار، وصولاً إلى 1.23 مليون برميل يومياً في نيسان، وفق بيانات «شركة النفط الوطنية الفنزويلية». وفيما يتوزع الجزء الأكبر من هذه الصادرات على قرابة 445 ألف برميل إلى الولايات المتحدة، ونحو 375 ألفاً إلى الهند، وحوالي 165 ألفاً إلى أوروبا، تستهدف وزيرة المحروقات الجديدة، باولا هيناو، رفع الإنتاج إلى 1.4 مليون برميل بحلول نهاية العام الجاري – في ظلّ سعر خام «ميري 16» البالغ نحو 86 دولاراً للبرميل وفق بيانات «أوبك» لآذار -، وهو ما يمثّل تحسناً لافتاً مقارنةً بما كانت تحصل عليه «الشركة الوطنية» عبر منظومة المقايضة مع الصين وأسطول الظلّ قبل الثالث من كانون الثاني الماضي، حيث كان سعر البرميل الفعلي الذي تدفعه الصين يقلّ بنحو 15 دولاراً عن سعر السوق.
ورغم القيود التي فرضتها واشنطن على تدفق العائدات، تشير تقديرات شركة «إيكوأناليتيكا» الفنزويلية إلى أن الناتج المحلّي الإجمالي قد ينمو بنسبة 15.2% خلال العام الجاري، يقوده القطاع النفطي بنسبة 20.8%، فيما يُتوقع أن تصل الإيرادات الحكومية إلى نحو 37 مليار دولار مقابل 11 ملياراً فقط في العام السابق. كما تراجع مؤشر المخاطر السيادية لفنزويلا بنحو 50% بنهاية الفصل الأول من العام الجاري، وهو ما تقرأه أسواق الدين عادةً مؤشراً على استقرار متنامٍ في توقعات المستثمرين.
وفي ضوء ذلك، أعلنت رودريغيز، في الأول من أيار، رفعَ الحد الأدنى للدخل المتكامل (الرواتب والمزايا الاجتماعية) بنسبة 26% ليصل إلى 240 دولاراً شهرياً، بعد أن كان لا يتجاوز 190 دولاراً في آذار الماضي، فيما ارتفع الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية بنسبة 40%. بيد أن سلة المعيشة الأساسية تتجاوز 670 دولاراً بحسب مركز «سينداس» الفنزويلي، ما يعني أن الفجوة بين الدخل والاستهلاك لا تزال هائلة، رغم التعافي الاقتصادي النسبي البطيء الذي تشهده البلاد. وكانت رودريغيز أطلقت، في 19 نيسان، ما سمّتها «المسيرة الكبرى ضدّ العقوبات»، وهي زحف شعبي جاب البلاد على مدى ثلاثة عشر يوماً ليتوّج في كاراكاس في عيد العمال، رافعاً مطلباً واحداً هو الرفع الكامل للحصار الذي ألحق بالاقتصاد الفنزويلي خسائر بمئات المليارات على مدار عقد ونصف عقد.
ومع ذلك، أثار الانعطاف في السياسة النفطية جدلاً داخل صفوف التيار البوليفاري، إذ يرى جزء من هذا التيار أن الإصلاحات تفكّك جزءاً جوهرياً من المنظومة السيادية التي أرساها تشافيز، وتفتح الطريق مجدداً أمام نموذج الامتيازات الذي طُويت صفحته مع مطلع الألفية، في حين يعدّ جزء آخر هذه الخطوات «تراجعاً تكتيكياً مدروساً» فرضه تهديد عسكري لا يزال قائماً. ويجادل هؤلاء بأن قبول كاراكاس بإيداع العائدات في حسابات تشرف عليها «الخزانة الأميركية» (لا تزال وساطة الخزانة الأميركية في تحصيل العائدات قيد الاختبار، علماً أن آخر صفقة تمّت، أُودعت إيراداتها في «المركزي الفنزويلي» – بعد الرفع الجزئي للعقوبات عنه -، وخصّصتها السلطات لدعم القوة الشرائية للعمال) وفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي، لا ينفي أن الحكومة لا تزال تمسك بالمنشآت السيادية وتدير قرار التفاوض، وأنها توجّه الاستثمار ورؤوس الأموال نحو حقول ومناطق لم تكن مستثمرة. كما يحاججون بأن القواعد الاجتماعية للتيار «التشافيزي» تواصل نشاطها في آلاف «الكوميونات» التي تمثّل عصب مشروع بناء «الاشتراكية البوليفارية».

















Discussion about this post