يتصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة متجاوزاً كلّ قيود وقف إطلاق النار، مع تكثيف المجازر والاغتيالات وتوسيع السيطرة الميدانية. وفي ظلّ صمت دولي وتواطؤ سياسي، تسعى إسرائيل إلى فرض واقع دائم من الدمار والتهجير، وتحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة.
غزة | أخذ التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة منحىً مفتوحاً، تجاوز كلّ السقوف السابقة منذ توقيع ما يسمى اتفاق وقف إطلاق النار. وافتتح جيش الاحتلال، عشية عيد الأضحى، «مسلخاً بشرياً» جديداً في خضمّ حرب الإبادة المستمرّة ضدّ أهالي القطاع، منفّذاً عشرات الغارات التي تسبّبت باستشهاد نحو 40 شخصاً وإصابة العشرات خلال أيام العيد. وتزامن هذا التصعيد الميداني مع تصريحات علنية أدلى بها رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أعلن فيها أن جيشه بات يسيطر على 60% من مساحة القطاع، وأنه سيسعى إلى توسيع السيطرة إلى 70%.
والأخطر من ذلك، عودة الحديث عن وجود مخطّط للتهجير الجماعي إلى الواجهة. إذ كانت صحف عبرية روّجت، قبيل موجة التصعيد الأخيرة، لدراسات تزعم أن 80% من الغزيّين يرغبون في مغادرة القطاع، لكنّ المشكلة، بحسب تلك الروايات، تكمن في عدم توافر دول مستعدّة لاستقبالهم. وقرأت أوساط إعلامية إسرائيلية هذه الحملة، ومن بينها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، على أنها إحدى آخر الأوراق التي يسعى الائتلاف الحاكم إلى استثمارها قبيل الانتخابات المزمع عقدها في أيلول المقبل، ولا سيما بعد تعثّر رهانات «النصر المطلق» في جبهات أخرى، أي لبنان وإيران. وبحسب تلك التقديرات، تبدو غزة جبهة منخفضة الكلفة سياسياً وعسكرياً، فيما يحظى مشروع تهجير الغزيّين بإجماع واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
ويبدو أن الاحتلال بات يغلّف تلك الطموحات بالإمعان في سياسة الاغتيالات الدقيقة لما تبقى من قادة الصف الأول وحتى الصف الثالث في «كتائب القسام». ففي ليلة عيد الأضحى، نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية حزاماً نارياً على مبنى سكني مأهول في حيّ الرمال، وسط مدينة غزة، وهو أحد أكثر الأحياء اكتظاظاً بالسكان، ويُعدّ المركز الاقتصادي والتجاري الأبرز الذي يقصده السكان من مناطق القطاع كافة. وفيما أسفرت الغارة عن استشهاد سيدة وإصابة عشرات الأطفال الذين كانوا برفقة ذويهم لشراء ملابس العيد، سارع كلّ من نتنياهو ووزير الحرب، يسرائيل كاتس، إلى الإعلان أن الغارة استهدفت رئيس هيئة أركان «القسام»، محمد عودة، الذي تولّى هذا المنصب خلفاً لعز الدين الحداد بعد اغتياله قبل أسبوعين.
ترى إسرائيل في الحرب المنخفضة الوتيرة، فرصة لفرض وقائع تعتقد أنها تستطيع أن تقايض بها «حماس»
وفي صباح أول أيام العيد، شيّع الآلاف من الأهالي جثمان القائد عودة، إلى جانب زوجته واثنين من أبنائه. لكنّ مسلسل الاغتيالات لم يتوقف عند ذلك؛ ففي مساء اليوم نفسه، نفّذ الاحتلال جريمة اغتيال أكثر دموية، مغيراً على منزل من ثلاثة طوابق في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، والذي يتوسّط مخيّماً يؤوي نحو 300 عائلة نازحة. وأسفر القصف عن استشهاد عشرة مواطنين وإصابة العشرات، فضلاً عن تخريب عشرات الخيام المحيطة، فيما أُعلن لاحقاً أن الغارة أدّت إلى استشهاد نائب قائد لواء الزيتون في «القسام»، عماد سليم.
غير أن الاغتيالات ليست سوى أحد أوجه المشهد الميداني الجديد. إذ أعاد جيش الاحتلال، بصورة كاملة، سياسة تدمير المربعات السكنية المأهولة. وخلال ثلاثة أيام فقط، وجّه إنذارات بإخلاء خمسة مربعات سكنية في خانيونس ودير البلح ومخيم الشاطئ، قبل أن يدمّر نحو 30 منزلاً ويخرّب مئات الخيام المحيطة بها. ونتيجة ذلك، أضحت مئات العائلات بلا مأوى، بعدما فقدت حتى ما تبقّى لها من خيام أو بقايا منازل مدمّرة.
كذلك، وسّع جيش الاحتلال دعمه لمجموعات العملاء المنتشرة شرق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». وظهر عدد من أفراد تلك المجموعات وهم يشغّلون طائرات مسيّرة كبيرة، فيما أعلن العميل غسان الدهيني أن جيش الاحتلال زوّد مقاتليه بهذا النوع من الطائرات لاستخدامها بشكل منفرد في العمليات ضدّ حركة «حماس».
إزاء ذلك، ومع استمرار عمليات الاغتيال المتلاحقة التي كان آخرها مساء أمس في حيّ الرمال، حيث استهدفت غارة عنصراً عادياً في المقاومة – بعدما سبقها استهداف آخر في حي الدرج -، عدّت حركة «حماس» ما يجري تهديداً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي لا تلتزم به إسرائيل. وقالت الحركة، في بيان، إن الغارات الجوية المكثفة التي تستهدف شققاً سكنية والتي تسبّبت بارتقاء العشرات من الشهداء، بينهم أطفال ونساء، هي خرق متجدّد وفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في شرم الشيخ. وطالبت الحركة الإدارة الأميركية والدول الضامنة للاتفاق بتحمّل مسؤولياتها واتخاذ موقف واضح يدين انتهاكات الاحتلال واتخاذ خطوات عملية وجادّة لإلزامه باستحقاقات الاتفاق الذي يواجه خطر الانهيار.
على أن إسرائيل ترى في الحرب المنخفضة الوتيرة الجارية حالياً، والتي تعلن لها أهدافاً استراتيجية وتكتيكية، فرصة لفرض المزيد من الوقائع على الأرض، التي تعتقد أنها تستطيع أن تقايض بها «حماس» وفصائل المقاومة في مقابل تسليم السلاح والاعتراف المعلن بالهزيمة ودفع استحقاقاتها. وفيما يربط البعض تلك التطورات بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية، يبدو السلوك الإسرائيلي متجاوزاً كلّ هذه الاعتبارات إلى اختراق الوعي الجمعي، ليس نحو نبذ المقاومة فكراً وسلوكاً وتحميلها مسؤولية النتائج الراهنة فقط، إنما في اتجاه تحويل القطاع الذي يعيش أسوأ كارثة إنسانية في تاريخه إلى بيئة طاردة للحياة. ويأتي هذا فيما يشي التدمير المنهجي لكلّ ما ينجح الأهالي في ترميمه أو بنائه بشقّ الأنفس، سواء كان خيمة أو بقايا بيت، إلى جانب تفكيك الحياة المدنية وتعطيل أجهزة الشرطة وتوسيع نفوذ العصابات العميلة، بأن المشروع الإسرائيلي لم يتوقّف عند حدود الإبادة التي استمرّت عامين، بل دخل مرحلة جديدة عنوانها استدامة الخراب. وفي مقابل ذلك، تواصل الولايات المتحدة غضّ الطرف عن اتفاق يتهاوى تدريجياً، فيما يَظهر الوسطاء في موقع العاجز أو شاهد الزور الأصمّ، ويعمل «مجلس السلام» على شرعنة استدامة الإبادة.
















Discussion about this post