يمدّد الاحتلال الإسرائيلي إخلاء مخيمات شمال الضفة، مكرّساً واقع التهجير القسري، ما يفاقم معاناة النازحين وسط غياب أي أفق لعودة قريبة. ويستهدف ذلك، وفق ما بات واضحاً، تعزيز سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينيتَين هناك.
رام الله | بعد أكثر من عام وأربعة أشهر على انطلاق العملية العسكرية الإسرائيلية في جنين وطولكرم ونور شمس، مدّد جيش الاحتلال هجمته البربرية على مخيمات شمال الضفة حتى نهاية تموز المقبل. ويسعى العدو، عبر هذا القرار الذي يتجدّد في كلّ مرة، إلى تكريس واقع التهجير القسري لأهالي المخيمات، ومنع عودتهم إليها، وتحويل مناطقهم إلى فضاءات عسكرية مستباحة. ويستهدف ذلك، وفق ما بات واضحاً، محو الهوية الوطنية لتلك المناطق بوصفها رمزاً لقضية اللجوء وحق العودة، وضرب الفكرة الحاضنة للمقاومة من أساسها، وخلق بيئات غير قابلة للحياة، وتعزيز سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينيتَين في شمال الضفة.
ويضيف قرار التمديد حتى الـ31 من تموز المقبل شهرَين جديدَين إلى معاناة آلاف العائلات التي شُرّدت قسراً من منازلها. ووفقاً لمعطيات «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، فإن أكثر من 33 ألف فلسطيني نزحوا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن السياسات الإسرائيلية تعرقل عودة هؤلاء وتطيل أمد نزوحهم وتحرمهم من الخدمات الأساسية وسبل العيش.
كما تكشف المعطيات الميدانية التي جرى رصدها أن ما جرى داخل المخيمات لا يقتصر على تدمير البنية التحتية أو هدم المنازل فيها، بل يشكّل عملية إعادة تصميم كاملة للمكان. ففي مخيم جنين، دمّر الاحتلال ما لا يقلّ عن 237 مبنى بشكل كامل، وشقّ شبكة طرق عسكرية يزيد طولها على أربعة كيلومترات، أبرزها شارع رئيس شطرَ المخيم فعلياً إلى قسمَين، فيما أُغلقت المداخل والمخارج بالسواتر الترابية والبوابات الحديدية، ليغدو المخيم منطقة عسكرية مغلقة. كذلك الحال في مخيم طولكرم، حيث دمّر العدو ما لا يقل عن 181 مبنى، واستحدث شبكة طرق عسكرية بطول يقارب 2.5 كيلومتر، ما أدى إلى تفكيك الكتلة العمرانية المتماسكة فيه، وتحويلها إلى تجمعات سكنية معزولة تفصل في ما بينها شوارع تسمح بحرية حركة الآليات العسكرية. أمّا في «نور شمس»، الذي تضرر نحو 48% من مبانيه، بحسب تقديرات «الأونروا»، فقد دمّر الاحتلال 111 مبنى بالكامل، بالتزامن مع شقّ وتوسعة طرق بطول 2.2 كيلومتر، تركّزت خصوصاً في المناطق الشمالية الأكثر اكتظاظاً بالسكان، الأمر الذي غيّر شكل المخيم ومعالمه بصورة جذرية.
ويشير ما تقدّم إلى اعتماد الاحتلال نمطاً ثابتاً في المخيمات الثلاثة، يقوم على إزالة الأزقة الضيقة التي شكّلت لعقود السّمة الأبرز للمخيمات الفلسطينية، واستبدالها بمحاور واسعة تسهّل حركة قواته وآلياته داخل الأحياء السكنية، وفرض سيطرة ميدانية دائمة عليها. وتصف «الأونروا» هذه التحولات بأنها غير مسبوقة، مشيرة إلى أن المخيمات تحوّلت تدريجياً إلى «مدن أشباح» و«ثكنات عسكرية»، وذلك بعدما أُفرغت من سكانها وتعرّضت بُناها التحتية، بما فيها شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، لتدمير واسع، فضلاً عن تحويل مئات المنازل إلى مواقع عسكرية.
تتفاقم المأساة في ظلّ تراجع حجم المساعدات الإنسانية المُقدّمة إلى النازحين
إزاء ذلك، تقول الناشطة المجتمعية وعضو «اللجنة الشعبية» لخدمات مخيم جنين، فرحة أبو الهيجا، إن المخيم يعيش «أصعب مرحلة في تاريخه»، عنوانها استمرار التهجير القسري منه ومصادرة الأراضي المحيطة به وتواصل الإجراءات العسكرية التي تستهدفه والمدينة منذ أكثر من عام. وتلفت أبو الهيجا، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن سلطات الاحتلال صادرت أخيراً نحو سبعة دونمات من أراضي منطقة الجابريات الواقعة ضمن المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، في خطوة تندرج ضمن سياسة توسيع السيطرة على الأراضي المحيطة بالمخيم، بالتوازي مع الاستيلاء على عدد من المنازل وتحويلها إلى مواقع وثكنات عسكرية.
وإذ تلفت إلى أن هذا الواقع نفسه ينسحب على مخيّمَي نور شمس وطولكرم، فهي تبيّن أن أهالي المخيمات الثلاثة، الذين يعيشون حال نزوح مستمرّة منذ أكثر من عام وأربعة أشهر، باتوا «يعانون من تدهور كبير في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية». وتتحدّث عن تنامي حال الإحباط بين الأهالي نتيجة غياب أيّ أفق سياسي أو حلول واضحة، مضيفة أن كثيرين فقدوا الأمل في العودة القريبة إلى منازلهم، رغم أن المخيم كان أساساً بالنسبة إليهم محطّة مؤقتة في انتظار العودة إلى أراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948.
ومع فقدان مصادر الدخل وتوقف الأعمال وتدمير العديد من المشاريع والمحال التجارية داخل المخيمات، تقول أبو الهيجا إن الظروف المعيشية للنازحين تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. إذ يعاني هؤلاء من صعوبات كبيرة في تأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والملابس والحليب ومستلزمات الحياة اليومية، فضلاً عن عجزهم عن تغطية تكاليف السكن وفواتير المياه والكهرباء.
وتتفاقم هذه المأساة في ظلّ تراجع حجم المساعدات الإنسانية المُقدّمة إليهم مقارنة بالأشهر الأولى للنزوح؛ إذ تفيد أبو الهيجا بأن «المساعدات الحالية محدودة ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات المتزايدة والمتراكمة». وتبيّن أن النازحين من جنين موزّعون حالياً بين مدن وقرى وبلدات مختلفة في محافظة جنين وخارجها، مشيرةً إلى أن الحكومة واللجان الشعبية كانت تتحمّل في بداية الأزمة جزءاً من تكاليف الإيجارات، غير أن استمرار النزوح لمدة طويلة جعل الكثير من الجهات عاجزة عن مواصلة تغطية هذه النفقات، ما وضع العديد من الأسر تحت خطر فقدان المساكن المستأجرة.
وفي ما يتعلّق بإمكانية عودة النازحين التي كانت محدّدة في نهاية أيار الماضي وجرى تمديدها حتى نهاية الشهر المقبل، ترى أبو الهيجا أنه «لا توجد مؤشرات عملية تدلّ على قرب العودة»، معتبرة أن قرارات الاحتلال المتكرّرة بتمديد إغلاق المخيمات تؤكد الاتجاه نحو إطالة أمد النزوح، داعيةً مؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية إلى تكثيف الضغوط من أجل ضمان عودة النازحين إلى منازلهم في أقرب وقت، في ظلّ تدهور أوضاعهم الإنسانية.
أمّا عن حجم الدمار داخل المخيم، فتقول إن عدداً محدوداً من النساء تمكّن في فترات سابقة من دخوله، ونقلن صورة صادمة عن حجم الخراب الذي طاول المكان. إذ تشير روايات هؤلاء إلى أن أكثر من نصف المخيم تعرّض للتدمير الكامل، فيما لحقت أضرار جسيمة أو حرائق بمعظم ما تبقّى من المنازل والمباني، كما سُجّل تغيّر واسع في شبكة الشوارع والمعالم الداخلية نتيجة عمليات الهدم والتجريف. وتبيّن أن الخسائر تتجاوز عدد المباني المهدّمة، وذلك نظراً إلى طبيعة البناء العمودي في المخيم، إذ تضم البناية الواحدة عدداً من العائلات، ما يعني أن تدمير واحدة منها يؤدي عملياً إلى تشريد عشرات الأشخاص.
ومع ذلك، تؤكد أبو الهيجا أن أهالي المخيم لا يزالون متمسّكين بحقهم في العودة، وأن كثيرين منهم يعلنون استعدادهم للعيش في خيام فوق أنقاض منازلهم إذا اقتضى الأمر. وتختم بالقول إن المخيم بالنسبة إلى سكّانه «ليس مجرد مكان للسكن، بل يمثل جزءاً من هويتهم الوطنية وقضيتهم المرتبطة بحق العودة».

















Discussion about this post