أثار مشروع استثماري يقوده جاريد كوشنر، بدعم وترويج من إيفانكا ترامب التي تحدثت عن الجزيرة كخيار شخصي للعيش، موجة احتجاجات واسعة في ألبانيا. ويأتي هذا في ظلّ اتهامات للحكومة بالتفريط بالسيادة والبيئة وربطه بمخاوف سياسية أوسع.
بعدما دأب والدها، طوال السنوات الماضية، على التعامل مع مناطق مختلفة من العالم وكأنها «ملكية» خاصة له ولبلاده، كما هو الحال مع جزيرة غرينلاند مثلاً، أطلّت إيفانكا دونالد ترامب، خلال مقابلة على برنامج «PBD Podcast»، نهاية الشهر الماضي، لتشرح للعالم كيف أنها وجدت جزيرة في وسط البحر الأبيض المتوسط تبلغ مساحتها 1400 هكتار، وقرّرت أن هذا هو المكان الذي تريد العيش فيه، باعتباره «تتويجاً لتأملاتها من جميع سفراتها السابقة».
وكانت إيفانكا تشير، في حديثها، إلى مشروع عقاري تبلغ قيمته نحو 1.6 مليار دولار، ويشمل بناء فنادق وشقق سكنية وفيلات ومرفأ لليخوت (مارينا) في منطقة بحيرة نارتا الشاطئية على الساحل الغربي لألبانيا – والتي تضمّ محميّة للحياة البرية، بالإضافة إلى جزيرة سازان غير المأهولة بالسكان، والتي كانت ذات يوم قاعدة عسكرية تعود إلى الحقبة الشيوعية -؛ ويقف زوجها، جاريد كوشنر، المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار «أفينيتي بارتنرز» (Affinity Partners)، وراءه.
وعلى مدى سنوات، أثارت الخطط المشار إليها مخاوف مرتبطة بالبيئة والشفافية، وذلك رغم اعتبار رئيس الوزراء الألباني، إيدي راما، إياها «فرصة لتوسيع الاقتصاد السياحي المزدهر في البلاد وجذب المستثمرين الأجانب»، ورفضه الاتهامات التي تفيد بأنه منَح كوشنر، وهو واحد من العديد من المستثمرين في المشروع، معاملة «تفضيلية» لكسب ودّ والد زوجته، أي ترامب.
على أن حجج راما لم تقنع، على ما يبدو، الألبانيين؛ إذ إنه ومع ظهور مؤشرات على بدء أعمال البناء في المشروع بداية الشهر الجاري، تصاعدت المعارضة الشعبية له، وخرج الآلاف في العاصمة تيرانا لأيام متتالية، حاملين لافتات كُتب عليها «ارحل يا إيدي راما»، بينما حمل آخرون رسوماً تعبيرية تُظهر رئيس الوزراء الاشتراكي وهو يسلّم المفاتيح لإيفانكا ترامب. وتصاعدت حدة الاحتجاجات في الأيام الأخيرة عقب اعتداء أحد حرّاس الأمن بالضرب على رجل بالقرب من المنطقة المحميّة، وانتشار لقطات مصوّرة تُظهر أعمال البناء التحضيرية والجرافات على الشاطئ. من جهتها، لفتت وسائل إعلام إلى أن صهر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بات يواجه خصماً جديداً غير متوقَّع، وهو طائر الفلامنغو الوردي، الذي حمل المتظاهرون مجسّمات له، وبات شعاراً لانتفاضتهم.
اتهم ناشطون رئيس الوزراء الألباني ببيع سازان لترامب وصهره لأهداف أبعد من «السياحة»
على الجبهة القانونية، أعلن «المكتب القضائي الخاص بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة» في ألبانيا (SPAK) فتح تحقيق رسمي وجنائي في المشروع، يتناول التغييرات القانونية والتشريعية المثيرة للجدل التي مرّرتها الحكومة الألبانية عام 2024، لرفع صفة «المنطقة المحميّة بيئياً» عن الأراضي المستهدَفة، وتسهيل منحها لكوشنر. ويأتي هذا وسط اتهامات بـ«تفصيل القوانين» والفساد، وغياب تامّ للشفافية والمستندات الرسمية والمناقصات العلنية، التي لم تكتمل تفاصيلها بعض، وذلك رغم بدء أعمال البناء، علماً أنه في كانون الأول 2024، وبعد أشهر من المخاوف التي أحاطت بالمشروع، أعطت ألبانيا موافقة أوّلية على الخطة التي اقترحها كوشنر.
وفي هذا السياق، تنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن تاولانت بينو، رئيس «الجمعية الألبانية لعلم الطيور» قوله إنه يشعر بـ«الارتياح لأن المعارضة للمشروع تجاوزت الناشطين البيئيين، لتشمل مواطنين من الانتماءات السياسية كافة»، لا سيما وأن حديث إيفانكا ترامب عن الجزيرة السيادية باعتبارها «جزيرة خاصة» أثار استياءً شعبياً واسعاً على خلفية الاستهانة بالسيادة الوطنية الألبانية. ويشير بينو إلى أن إحدى القضايا الرئيسة تتمثل في أنه «لم يتمّ إصدار أيّ تقرير عن الأثر البيئي علناً»، مثلما هو مطلوب عادةً لهكذا مشروع تنموي، مضيفاً أنه منذ أواخر نيسان، تجمّع المتظاهرون في موقع أحد الأعمال المخطّط لها في شبه جزيرة زفيرنيك، وهي منطقة ساحلية تبلغ مساحتها 1000 فدان وتعدّ موطناً لمجموعة من الطيور، بما فيها طيور النحام والبجع، متابعاً أن «الاحتجاجات بدأت بعدما لاحظ هو ونشطاء بيئيون آخرون ما بدا وكأنه بداية البناء، الذي قال إنه شمل مسارات المعدّات الثقيلة والجرافات التي تقوم بتفكيك الكثبان الرملية». وإذ أفاد المصدر نفسه بأن وتيرة الاحتجاجات اشتدّت خلال الأيام القليلة الماضية، بعد إنشاء سياج من الأسلاك الشائكة في المنطقة، فقد بيّن أن «الأمر لا يتعلّق فقط بالشفافية حول القانون البيئي، بل بالشفافية بشكل عام»، لا سيما وسط تجاهل مخاوف السكّان المحليين المستمرّة منذ سنوات بشأن ملكية الأرض، والمضيّ قُدماً في عقد الصفقات.
بالتوازي، سلّط بعض المراقبين الضوء على الطبيعة «العسكرية» لجزيرة سازان، والتي تعود، إلى حدّ كبير، إلى الحقبة الشيوعية الممتدّة من 1946 إلى 1991. ولدى زيارة الجزيرة، يمكن للمرء أن يلحظ عدداً كبيراً من الملاجئ والأنفاق المصمّمة لتخزين الإمدادات والذخيرة، أو لتكون بمثابة مخابئ في حال اندلاع حرب عصابات «ضدّ الغزاة الإمبرياليين». ويقدّر خبراء أن في الجزيرة نحو 10 أميال من الأنفاق، تسكنها الآن في الغالب الخفافيش والأفاعي والأرانب البرية، جنباً إلى جنب نحو 3600 خندق (دشمة عسكرية)، تبدو كفطريات خرسانية مدرّعة تنبثق من بين الغطاء النباتي، أو تقبع فوق قمم الجبال كأنها نقاط مراقبة تترصّد حاملات الطائرات الأميركية أو الفرقاطات السوفيتية الوهمية. وكان كوشنر قد أعلن أنّه «سيتمّ الإبقاء على بعض هذه الخنادق ودمجها في المشروع العقاري الجديد».
يُضاف إلى ذلك، أن الجزيرة تقع في موقع حساس استراتيجياً عند مدخل خليج فلورا، بالقرب من مضيق أوترانتو، وتُحدّد فعلياً نقطة الانتقال بين البحرَين الأدرتياتيكي والأيوني، وهو ما يفسّر سبب تحوّلها، في عدّة محطات تاريخية سابقة، إلى منطقة عسكرية تخضع لرقابة صارمة؛ إذ إن السيطرة عليها تتيح فرض رقابة على ممرّ بحري حيوي.
بناءً على ما تقدّم، اتهمت بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، رئيس الوزراء الألباني، بـ«بيع» الجزيرة لترامب وصهره لأهداف أبعد من «السياحة»، تشمل ربما – نظراً إلى الروابط التي تجمع بين كوشنر اليهودي الأصل، واليمين الحاكم في إسرائيل – فرض احتلال مقنّع، واستخدام المنطقة في وقت لاحق لدعم خطط «ترحيل» الفلسطينيين، علماً أنه في كانون الثاني عام 2025، اضطر إيدي راما إلى نفي تقارير إسرائيلية تفيد بأنه تحدّث إلى ترامب بشأن تأدية تيرانا دوراً في خطط «التطهير العرقي» لغزة من سكانها، واصفاً إياها بـ«التقارير الكاذبة».

















Discussion about this post