تفاقمت الأوضاع في شرق سوريا نتيجة فيضان نهر الفرات، بعد رفع تركيا كميات المياه بشكل مفاجئ، ما ألحق أضراراً واسعة. ويعيد ذلك تسليط الضوء على استمرار تجاهل أنقرة للمصالح السورية، رغم سقوط النظام السابق، وصعود نظام حليف لها في البلاد.
تعيش محافظتا الرقة ودير الزور ظروفاً متدهورة، على وقع الغمر المستمرّ الذي تسبّب به فيضان نهر الفرات. ويأتي ذلك عقب قيام تركيا برفع كميات المياه المتدفّقة إلى النهر – التي كانت تحتجزها في عدد من السدود أبرزها سدّ أتاتورك – بنحو خمسة أضعاف المعدّلات المعتادة، من دون إنذار حقيقي مسبق. وتسبّب هذا الإجراء بأضرار واسعة في الأراضي الزراعية وشبكات الريّ وعدد من الجسور الخدمية والترابية، في وقت لم تحدّد فيه السلطات الانتقالية بعد، الحجم الحقيقي لخسائر الفيضان.
وبدأت الأزمة قبل أيام، مع إصدار وزارتَي الطاقة والطوارئ في سوريا بياناً حذّرتا فيه السكان من الاقتراب من مجرى نهر الفرات، ومن مخاطر ارتفاع منسوب المياه التي قد تتسبّب بغمر مناطق واسعة سكنية وزراعية. وقال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، في تصريح نقلته «وكالة الأنباء السورية» الرسمية (سانا)، إن المؤسّسة العامة لسدّ الفرات والجهات الفنية تلقّت إشعاراً من الجانب التركي يفيد بزيادة الإطلاقات المائية بسبب امتلاء السدود وارتفاع مخزونها، والناجم عن الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج. وأضاف أن المياه وصلت إلى الأراضي السورية خلالّ أقل من 24 ساعة من تلقّي الإشعار، الأمر الذي استدعى تنفيذ استجابة سريعة لحماية المنشآت المائية ومحطّات مياه الشرب الواقعة على مجرى النهر. كذلك، أشار سلات إلى أن وزارة الطاقة أبلغت الجانب العراقي بالإجراءات المتّخَذة وكميات المياه الممرّرة عبر مفيض سدّ الفرات، مضيفاً أنه جرى، السبت، فتح بوابات المفيض وتمرير نحو ألف متر مكعب في الثانية، مع توقّع وصول هذه الكميات إلى الأراضي العراقية خلال أربعة أو خمسة أيام، بما يتيح للسلطات العراقية اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وإلى جانب الأضرار في المحاصيل الزراعية، أظهرت المعطيات الأولية حجماً كبيراً من الأضرار التي خلّفها الفيضان؛ إذ خرجت نحو 50 محطّة مياه عن الخدمة من أصل 210 محطات، فيما اضطرّت آلاف العائلات إلى مغادرة قراها ومنازلها. كما سُجّلت وفاة ثلاثة أطفال غرقاً في أثناء السباحة في النهر، في حادثة قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، إنها «غير مرتبطة بفيضان النهر بشكل مباشر»، وفق تعبيره، مضيفاً أنه تمّ، بالتعاون مع محافظتَي الرقة ودير الزور ووزارة الموارد المائية، إنشاء غرفة عمليات مشتركة، مهمّتها متابعة تطورات ارتفاع منسوب «الفرات» واتّخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المدنيين في المناطق الواقعة على ضفّتَي النهر.
وصلت المياه إلى الأراضي السورية خلال أقل من 24 ساعة من تلقّي الإشعار التركي
ومع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في محيط «الفرات» – الذي يمتدّ لأكثر من 600 كيلومتر -، بسبب استمرار تركيا في إرسال كميات كبيرة من المياه، زار الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، على رأس وفد حكومي، دير الزور، حيث اطّلع على أضرار الفيضان. وبالتوازي، وفي انعكاس مباشر للأزمة على الحياة العامة، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، أمس، تأجيل الامتحانات العملية في كليات جامعة الفرات، التي كان من المقرّر إجراؤها بعد عطلة عيد الأضحى. وأوضح الحلبي، في بيان، أن القرار جاء حرصاً على سلامة الطلبة والكوادر التعليمية في ضوء التطورات والظروف الراهنة المرتبطة بارتفاع منسوب نهر الفرات، مشيراً إلى تأجيل الجلسات العملية خلال المدة القادمة إلى موعد يحدَّد لاحقاً وفق المستجدّات.
بدورها، سعت «المؤسسة العامة لسدّ الفرات» إلى طمأنة السكان، مؤكّدة، في بيان صحافي، أن السدود والمنشآت المائية في حال فنية «مستقرة وآمنة بالكامل»، وأنه لا يوجد أيّ خطر إنشائي على جسم السدود أو البوابات أو التجهيزات التشغيلية، مشيرةً إلى أن القدرة الفنية للسدود تسمح بتمرير كميات أكبر من التدفقات الحالية عند الحاجة، وأن جميع الأعمال تجري وفق مراقبة فنية دقيقة وعلى مدار الساعة. وإذ أوضحت أن الأضرار المسجَّلة حتى الآن تتركّز بمعظمها ضمن مناطق التعديات والعشوائيات المقامة على حرم النهر أو ضمن سريره الطبيعي، إضافة إلى بعض الأراضي الزراعية الواقعة في مناطق الغمر، فهي أكّدت أنه لم يتمّ تسجيل أيّ مخاطر على التجمعات السكانية النظامية أو المنشآت الرئيسة المرتبطة بالسدود.
وتفتح أزمة فيضان النهر وما خلّفته من أضرار كبيرة، الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حول مصير الاتفاقات الموقَّعة سابقاً بين تركيا وسوريا والعراق، خصوصاً في ظلّ رفض الأولى الاعتراف بحقوق جارَيها في مياه نهرَي الفرات ودجلة، ورفضها أيضاً اعتبار الأخيرَين نهرَين دوليّين. إذ رغم الاتفاق الذي يلزم تركيا تمرير 500 متر مكعب في الثانية إلى سوريا، التي يتعيّن عليها بدورها تحويل 58% من هذه الكميات إلى العراق، شهدت السنوات الماضية خروقات متكرّرة من الجانب التركي، تمثّلت في خفض الحصص المائية إلى مستويات أدنى بكثير من المتفَق عليه، وذلك بسبب موجات الحر والجفاف، الأمر الذي أدى إلى أضرار كبيرة في حوض النهر، وأحدث أيضاً تراجعاً في كميات الطاقة الكهربائية المولَّدة من سد الفرات في سوريا. واليوم، يكشف الفيضان مجدّداً استمرار تركيا في تجاهل المصالح السورية والاتفاقات الموقّعة، في ظلّ تمرير كميات كبيرة من المياه من دون إنذار حقيقي سابق، أو تنسيق مشترك بين الطرفين. ويأتي هذا برغم سقوط النظام السابق في سوريا، وصعود نظام حليف لأنقرة ومرتبط بها بشكل أو بآخر.

















Discussion about this post